خرجت من مصر منذ نحو ربع قرن مضى، وكنت حتى أيام قليلة مضت، وحتى الخامس والعشرين من يناير، أعتبر نفسي من جيل المناضلين الثوار، فقد انغمست في العمل السياسي وأنا تلميذ في المدرسة، وكنت آنذاك عضوا في أكبر التنظيمات الشبابية، وشاركت في مظاهرات الطلبة عام ‬1968 في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، وفي جميع المظاهرات والاعتصامات في الجامعة وفي نقابة المحامين في عهد السادات، وبداية عهد مبارك، وكانت الساحة السياسية آنذاك تعج بالحراك السياسي النشط والفعال، الذي كان يضم مختلف الاتجاهات السياسية بمختلف المرجعيات والأيديولوجيات، هذا الحراك الذي لعب دورا كبيرا في أوقات الأزمات التي شهدتها مصر والساحة العربية، وكان النظام الحاكم يعمل ألف حساب لرأي الشارع، حتى قيل إن مظاهرات الجامعات هي التي دفعت السادات إلى خوض الحرب عام ‬1973.

ولم تمضِ أعوام قليلة من حكم مبارك حتى بدت على الشارع السياسي المصري وفي أوساط المعارضة السياسية، أعراض الركون والخمول وعدم وضوح الرؤية السياسية، وتفشي النزعات والمصالح الشخصية وحب الظهور والبحث عن النجومية، وأيضا المصالح المادية ولقمة العيش وطموحات الوصول والترقي للمناصب الأعلى. وجاءت سنوات التسعينات التي ظهر فيها بوضوح نفوذ المال، من خلال فئة من يسمونهم بــ «رجال الأعمال» الذين ظهروا فجأة بثرواتهم الخيالية، ليسيطروا على وسائل الإعلام بكافة أنواعها ويتفننوا في جذب النخب السياسية المعارضة إليهم، تحت إغراءات المال والشهرة، خاصة مع انتشار الفضائيات. ونظرا للارتباط الوثيق بين فئة رجال الأعمال والحزب الحاكم، فقد كانت الأدوار توزع على النخب السياسية المعارضة بتخطيط مسبق، بحيث يبدو الأمر وكأن هناك في مصر شارعا سياسيا نشيطا وفعالا ويتمتع بحريات لم يشهدها من قبل، في حين أن هذا الشارع لم يكن له وجود في الواقع، وكان وجوده محصورا فقط في وسائل الإعلام، ولم تكن له أية قواعد شعبية، وتحولت الأحزاب المعارضة إلى مكاتب مهجورة لا يدخلها أحد، وصحف تتلقى تمويلا من سلطة الحزب الحاكم، وسيطر الإعلام الخاص الذي يسيطر عليه رجال الأعمال، ليجذب إليه النخب السياسية المعارضة تحت نفس الإغراءات، ولم يشهد الشارع المصري مظاهرات ولا حشودا جماهيرية طيلة العقدين الماضيين، وظلت كافة القضايا الساخنة وما تريده المعارضة، يتم تداوله فقط من خلال وسائل الإعلام، وأكبر حشد جماهيري طيلة هذه السنوات كانت تكفي لاستيعابه سلالم مدخل نقابة الصحفيين أو المحامين في وسط القاهرة، مما أوهم الكثيرين بأن الأوضاع في مصر مستقرة تماما.

هذا الوضع العام أصاب الكثيرين من المصريين والعرب عموما، بالإحباط وفقدان الأمل في أي شيء، وبحالة ممتدة من الغضب والسخط على الوطن الذي فقد هويته، فذهب أبناؤه يبحثون عن هوية أخرى لهم في الشرق والغرب، وحتى لدى العدو الصهيوني.

وفجأة وقع الحدث الكبير، وجاءت ثورة الشباب المصري العظيم في ‬25 يناير لتعيد الأمل فينا، وتعيد الروح للوطن، هذا الشباب الذي لم يراهن عليه أحد، ولم تلوثه الأيديولوجيات والانتماءات السياسية والمذهبية والحزبية، ولم تقهره لقمة العيش وكسب الرزق مثلنا، هذا الشباب الذي كنا نصفه بالضعف والتفاهة والجهل وعدم الوعي، وأنهم لا يقرأون ولا يفكرون ولا يعلمون أي شيء عن قضايا الوطن، هذا الشباب الذي لم ير من جيلنا، الذي باع قضاياه وكرامته، سوى التسلط وعدم الاحترام وقمع الرأي والاستخفاف، هذا الشباب الذي لم ير فينا سوى الكذب والنفاق والرياء وتملق القادة والرؤساء، ولم نعطه شيئا من خبرتنا السابقة وروحنا الوطنية، التي سقطت منا في السباق على لقمة العيش.. هذا الجيل العظيم خرج بأدواته هو، التي نجهلها نحن وتجهلها أنظمتنا السياسية، ليسطر تاريخا جديدا وليضع نظريات جديدة في النضال الثوري، ويعيد الروح والأمل للوطن وللأمة العربية كلها.