محرجٌ جداً للذين جَهدوا في التلفزيون السودانيِّ الحكوميِّ في إشاعةِ العواطفِ الفائضةِ تجاه «الجنوب الحبيب»، في أسابيع ما قبل استفتاء حقِّ جنوب السودان تقريرَ مصيره، أنْ يُصوِّت أزيدُ من 98٪ من المقترعين للانفصال. كما ينبغي أنْ تُحْرِج هذه النسبةُ الذين استسهلوا القصّةَ كلها، من العربِ تحديداً، واستسلموا لإشاعةِ أنَّ التآمرَ الأميركيَّ والغربيَّ والإسرائيليَّ هو ما ظلَّ يأخذُ الجنوبَ إلى مغادرةِ الشمال، ليس فقط للتبسيطِ المخلِّ لهذه القضيةِ العويصة، بل أيضاً لأنَّ أيَّ تآمرٍ لا ينتعشُ وينجحُ في غيرِ البيئاتِ التي تتوفرُ على أسبابِ انتعاشِه ونجاحِه. وبسببِ الإخفاقاتِ المديدةِ للنخبِ السودانية، وعجزِها عن صياغةٍ توافقيةٍ وإبداعيةٍ في الإجابةِ على السؤالِ عن كيفيةِ حكمِ بلدِهم، المتعدّد الثقافاتِ والمتنوعِ الأعراق والمتّسع الجهات، استمرَّ السودانُ منذ استقلالِه في 1956 ساحةً رحبةً لاستقبالِ كل صنوفِ المؤامراتِ على كيانِه وشعبِه.
ولا يعني التأشيرُ هنا إلى هذه البديهيّةِ أنَّ انفصالَ 28٪ من مساحةِ السودانِ الراهن في دولةٍ مستقلةٍ في يوليو المقبل، إنما هو نتيجةُ تلك المؤامرات، بل هو نتيجةُ استفتاءٍ تمَّ التوافقُ على إجرائِه في اتفاقيةٍ شهيرةٍ قبل ستِّ سنوات، نصَّت أيضاً على ما شهدناه من شراكةٍ مرتجلةٍ في الحكم بين حزبِ المؤتمر الوطني والحركةِ الشعبية في هذه المدّة، فكانت واحدةً من فرصٍ غيرِ قليلةٍ ضاعت في هذا البلد المثقلِ بتأزماتٍ غيرِ هيِّنة، من أجلِ انجذابِ جنوبيه إلى وحدةٍ يشعرونُ في غضونِها بأنَّهم جزءٌ من سلطةٍ ديمقراطيةٍ في بلدهم المدينيِّ، تنشطُ في اتجاهِ إصلاحاتٍ تنمويةٍ يحتاجها السودان الكبير.
أَنْ يقولَ الرئيس عمر البشير، أمامَ تجمعٍ في الخرطوم في أسبوعِ فرزِ بطاقاتِ الاستفتاء، إنَّ الجنوبَ كان عبئاً على السودان منذ الاستقلال، فذلك قد يعني، أو يعني على الأصحّ، أَنَّ أهل شمال السودان لم يخسروا جزءاً عزيزاً عليهم من الـ2,5 مليون كيلو متر مربع، مساحةِ بلدِهم الذي تتناهبُه غواياتُ الانفصالِ في غير جهةٍ أيضا، قبل استفتاء الجنوب وبعده. وأَنْ يقول البشير إنَّ السودان لن يكونَ دولةً علمانيةً أو مدنيةً بعد انصرافِ جنوبِه عن شمالِه، فذلك مما يُنذرُ بجولاتٍ جديدةٍ من تأزماتٍ حادَّةٍ سيشهدُها هذا البلد الاستثنائيُّ في ظروفهِ التعيسةِ، وفي أهميَّتِه الجيوسياسيةِ في محيطِه الإفريقيِّ والإسلاميِّ والعربي. وأَنْ يقولَ البشيرُ صراحةً إنَّ دستوراً إسلامياً سيتمُّ اعتمادُه، فذلك يؤَشِّر إلى أَننا في صددِ ترقّبِ توتراتٍ جديدةٍ في السودان، تُبقيهِ في المراوحةِ باهظةِ الأكلافِ في انتقالاتِه من أزمةٍ إلى أُخرى، تتراكمُ الواحدةُ فوق الأُخرى، سيّما وأَن آفاقَ حلِّ قضيةِ إقليمِ دارفور في الغربِ مُشوشّة، وأَنَّ حسمَ مسألةِ تابعيةِ منطقة أبيي غيرُ مؤكدة، وسيّما أَيضاً أن رجلاً اسمه حسن الترابي يُخيِّر مواطنيه بين أن يهبّوا في ثورةٍ تونسيةٍ على الحكم، العسكريّ بحسبِه، وتقسيمين قادمين في غربِ البلادِ وشرقِها.
يتّجهُ الشمالُ، إذن، على الأغلب، إلى متاهةٍ سياسيةٍ تتعلق بالإسلاميِّ وغيرِ الإسلاميِّ من تشريعاتٍ وقوانين، فيما الأَدْعى والأَوجبُ أن ينصرفَ إلى البحثِ عن إجماعاتٍ وطنيةٍ بشأنِ خريطةِ طريقٍ شاملةٍ تحمي السودان، في طورِ ما بعد استقلال الجنوب، من توتراتٍ اجتماعيةٍ حادّةٍ ذات عناوينَ سياسية، تُعبِّرٌ عنها حساسياتٌ مستجدِّةٌ في المجتمع، تتطلعُ إلى خطاباتٍ مُغايرةٍ عما ألفوه طويلاً من عبثٍ كلاميٍّ في هذه المطرح وتلك القضية، وتذهبُ بالسودان إلى فضاءٍ آخر، يتمتّعُ فيه مواطنوه بفرصٍ متكافئةٍ في العملِ والتعليمِ والمسكنِ اللائق، وتتبارى فيه برامجُ التخطيطِ والتنميةِ في الزراعةِ والصناعةِ وتطويرِ الإمكاناتِ الذاتيّة، بدلَ هذا التلهّي المديد الذي تتبارزُ فيه القوى السياسيةُ في الموالاةِ والمعارضةِ في سيركٍ كلاميٍّ مضجرٍ، يبحثُ عبثاً عن توافقاتٍ ضائعة. أما الجنوبُ المستقلُّ فللمتاهةِ في مشهدِه المرتقبِ تفاصيلُها.