ما يجري في مصر، في واحدٍ من وجوهِه المتعدّدة، موسمٌ عربيٌّ جديدٌ للنفيرِ إلى التلفزيون. ليس ثمّةَ ما يمكنُ أنْ يبادِرَ إليه المواطنُ العربيُّ في غضونِ هذا الحدث المتسارِع غير أنْ يتسَمّر أمام الشاشات، ليرى وينفعلَ ويتخيَّلَ سيناريوهاتٍ وتوقعاتٍ وفيرة، تشتبكُ فيها الرغباتُ والتمنيّاتُ مع الشواهدِ والحوادث. يبحثُ المواطنُ العربيُّ في الذي يراه قُدّامَه عن متشابهاتٍ مع وقائعَ في هذا البلد أو ذاك، وفي أثناءِ هذا كله وغيره، لا يجد نفسَه قادراً على التخفّفِ من البحلقةِ على التلفزيون.

ومن الاستماعِ إلى الكلامِ الغزير الذي يتدفق أحيانا كيفما اتفق على هذه الفضائيةِ أو تلك. وحدَه التلفزيون باتَ يوجِّهُ انفعالاتِ المواطن العربي ومشاعرِه، يرفعُ توقعاتِه ويخفَضها، يُفرحه ويُغضبه، له نفوذُه الفادحُ على الوجدان العربيِّ الموحدةِ أشواقُه نحو حالٍ أفضل. تمكَّن التلفزيون من أنْ تتجاوزَ نشراتُه الإخبارية، بمساحاتِها التي صارت تحتلُّ النهارَ والليل في غيرِ فضائيةٍ عربيةٍ كبرى، وظيفتًها الإعلامية، فصـــارت مصادرَ شـــحنٍ لقناعاتٍ ومواقــفَ ورؤى سياسيةٍ في غيرِ شأنٍ ومسألة.

هو زمنُ التلفزيون، زمنُ الفضائيات الإخبارية ذاتِ الجاذبيّةِ التي باتَ مستحيلاً أنْ يستغني المواطنُ العربي عنها، كيفَ له ذلك، وهي التي تُيسِّر له على الهواءِ مباشرةً، مسارَ الأحداث وتطورها لحظة بلحظة. لا خيارَ غيرُ النزوح إلى الشاشاتِ في الوقائع الكبرى، ولا مجازفةَ في القولِ إنَّ فضائياتٍ عربيةً محددةً، صارت لها وظائفُ المجتمع المدني والقوى والأحزابِ والتمثيلاتِ الاجتماعية والسياسية. إطلالاتُ الزعاماتِ اللبنانيةِ على شاشاتِ تلفزاتِ بلادِها وأخرى عربيةٍ رديفةٍ، باتت وحدَها صيغَ إرسالِ هؤلاء رسائلهم إلى بعضِهم، أمام انسدادِ قنواتِ الحوار وصعوبتِه بين كثيرين منهم.

ولا شطَطَ في القولِ إن الفضائياتِ اللبنانية لو تجحمُ عن توفيرِ مساحاتٍ لهؤلاء على شاشاتِها، ستجعلُ المشهد السياسي العام في لبنان مختلفاً، وربما يتحسّنُ بعضَ الشيء، ذلك أنَّ ولعَ السياسيين في هذا البلد بالحضورِ التلفزيوني مهولٌ، وإذا بدت ثرثراتُ كثيرين منهم مسليةً في وقائعَ سابقةٍ، فإنها مضجرةٌ ومملةٌ في الوقائعِ اللبنانيةِ الأخيرة.

ليس في وسعِ المواطنِ العربيِّ، أمام سخونةِ الذي يجري منذ أسابيعَ في اكثر من بلد عربي، أن ينصرفَ، في هذه الأيام، عن الساعاتِ الإخباريةِ المديدةِ في «العربية» و«الجزيرة»، وغيرِهما من تلفزاتٍ مصريةٍ حكوميةٍ وغير حكومية، لا لشيءٍ إلا لأنَّ الذي تعرفُه مصر حالياً يخصُّه، ويتصّلُ بعيشِه ومستقبل أبنائِه، لأنَّ شؤون مصر الداخليّة وانعطافاتِها السياسية شؤونٌ عربيةٌ تماماً، لا غلوَّ في القولِ إنها تؤثر استراتيجياً على كلِّ منزلٍ في صنعاءَ وعمّان ونواكشوط والخرطوم ودمشق والمنامة وغيرِها. ولا تزيّدَ في الاجتهادِ بالذهابِ إلى أنَّ التحولَ الذي شهدتْه تونس، وبالكيفيةِ المفاجئةِ وذاتِ الدلالاتِ الثريّة، وقد توبعت دقيقةً بدقيقة على الشاشات، استنفرَ خيالاً عربياً كان مكبوتاً، وزادَ من التسمّر أمامَ التلفزيون، والاستغراقِ في البحلقةِ فيه.

وما يضاعفُ من منسوبِ الانجذابِ العالي نحو التلفزيون، هو أنَّ النخبَ ليست وحدَها التي تحتكرُ الكلامَ في التقاريرِ الإخباريةِ والاتصالاتِ الهاتفية، بل الجميعُ يتكلمون كما يريدون وفي أيِّ مطرحٍ كانوا. وإذا كانت الشعبويةُ واضحةً في النبرةِ التعبويةِ والتحريضيةِ في أداءِ بعض هذه القنوات، وأياً تكن مسوغاتُ التحفظِ على هذا وغيره، فإنّه الجوعُ العربيُّ المزمنُ ما يفسِّر حالةَ الولع بهذه الفضائيات، حتى وإن شابَ أداءَها ما يستنفرُنا قدّام التلفزيون، في قضية هنا أو تسريبات هناك.