نحن جيل الترانزستور شدّت مصر آذاننا عبر الأثير. هذه الأيام تشد مصر عيوننا عبر الفضاء الإلكتروني والبث الفضائي. مصر ليست منفردة نبع التنوير العربي. القاهرة حجر الدومينو العربي إذ منها تتداعى الحركة الإقليمية إيجاباً أو سلباً. التدافع الشعبي المهول في المدن المصرية لا يشكل مفاجأة. المباغتة تكمن في الأسئلة الملحة الساخنة المثارة في زخم الإصرار الشعبي الصارم على البقاء بلا كلل أو ملل؛ ليالي الشتاء ونهاراته. مصر في خاطر كل عربي. القاهرة منارة إقليمية عتيقة. لنا منها قبس من معرفة أو إشعاع من وعي. عديد منا نام وتحت وسادته رواية أو ديوان شعر.

في خاطر قطاع عريض منا حلم تبلور في وهج شعار سياسي أو لقطة سينمائية أو مشهد مسرحي أو أغنية شعبية. كثير من العرب يحتفظون في خزاناتهم بتذكارات مصرية. عديد منهم يحتفظون في ذاكرتهم بعاطفات نبيلة. مصر تشكل مساحات واسعة من وجداننا القومي. العرب يهبطون مصر صيفاً وشتاءً. رغم كثافتها السكانية، حيث تضيق بأهلها، يعود قليل منا وفي جيبه عقد انتماء مكاني لمصر. من لا تمكنه ذات يده غير الأكل من فولها وعدسها وبصلها يؤوب وفي قلبه مؤونة من مرح سخي تلقائي نادر.

مرة ثانية يثير شباب الفضاء الافتراضي العربي أسئلة مربكة عن عجز الطبقة السياسية الحاكمة منها والمعارضة. هؤلاء الشباب الواثبون من المجهول ـ وفق قواعد اللعبة التقليدية ـ يثيرون معهم أسئلة في وجه النخب العربية القاعدة عن الإنجاز. ثمة طبقة نخبوية عربية جديدة لا تتشكل فقط، بل تنهض بأعباء المرحلة الوطنية المترهلة منذ عتبة الاستقلال.

ميدان التحرير شاغل بؤرة التلفزة العالمية هذه الأيام؛ يثير سؤالاً تلقائياً عن مناسبة وموعد تسميته. المساحة القابضة على قلب معابر القاهرة من إنجازات الخديوي إسماعيل في نهايات القرن التاسع عشرة. في خمسينات القرن الأخير تحول من ميدان الإسماعيلية إلى التحرير. المحاولة الرسمية لإطلاق اسم أنور السادات عقب اغتياله لم تتجاوز لافتة خجولة على سور الجامعة العربية. ربما تستعيد شريحة من الجاثمين على صدر الميدان أمل دنقل محمولاً على أكتاف تظاهرة الطلبة الحاشدة في الميدان عام ‬1972 وهو ينشد «أيها الواقفون على حافة المذبحة». هل يجد أولئك علاقة بين المشهدين؟ علامات استفهام كبرى تتصاعد مع الأدخنة العالقة فوق العاصمة المصرية. المصريون لم يحسموا جدلاً قديماً عمَّن أحرق القاهرة على عتبة خمسينات القرن الأخير. الغموض لايزال يكتنف حرائق القاهرة الأخيرة.

من يعيد قراءة المشهد القاهري لابد له من البحث عن إجابة عما إذا كانت عملية الصدام بين الشرطة والمتظاهرين في الميدان ضرورة اتسمت بالحكمة، أم مغامرة عسكرية خاسرة؟ ماذا لو التزمت الشرطة بتأمين المؤسسات وترك الميدان للمتظاهرين يعبرون عن أنفسهم؟

اختفاء الشرطة في لحظة محددة يشكل لغزاً محيراً. ثمة أسئلة مماثلة مشروعة عن تباطؤ أقطاب المعارضة التقليدية.

مصر التي في خاطرنا لا تحتمل التوغل في أتون أزمة مربكة طويلة، لذلك يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً عن من يملك روح المبادرة للخروج من المأزق الراهن. تلك خطوة لن تتم في ظل تغييب عناصر المعادلة المستجدة على المشهد السياسي المصري. إدارة الظهر لميدان التحير ليست من الحكمة في إدارة الأزمة.

ما من أحد يملك إجابة شافية عما إذا كانت المعالجات الحالية تفتح أفقاً للخروج من الأزمة. ربما من اليسير تغليب طرف في صراع الإرادات المحموم الحالي، لكن ليس من اليسير توقيت الحسم.