قرر الأزهر وقف الحوار مع الفاتيكان بسبب تعرض البابا بنديكت الـ‬16، أكثر من مرة، للإسلام بشكل سلبي، وصرح شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بأن قرار تجميد الحوار مع الفاتيكان، جاء لضرورة أن يكون الحوار بين الجانبين على أساس من الاحترام المتبادل، ولعدم تلقي الأزهر أي إيماءات من الفاتيكان لتوضيح تصريحات البابا بعد حادث كنيسة القديسين في الإسكندرية، بطلب الحماية من الغرب للمسيحيين في الشرق ومصر، وجاء في بيان الأزهر أن «البابا يتحدث باستمرار وبغير حق عن اضطهاد المسلمين لأتباع الديانات الأخرى في الشرق الأوسط».

الغريب في الأمر هو رد فعل الفاتيكان على قرار الأزهر بوقف الحوار، حيث قال الكاردينال بيتر توركسون، رئيس المجلس المسكوني للعدالة والسلام في الفاتيكان، إنه «لا يحق لأي كان أن يمنع البابا من التعبير عن رأيه»، وأكد توركسون لوكالة الأنباء الإيطالية «إنسا» أن «حوار البابا مع الإسلام لن يتوقف»، لافتاً إلى أن الحوار لا يتوقف على الأزهر، بل يمكن أن يجري مع «جهات إسلامية أخرى». هذه التصريحات تعني أن الفاتيكان لم يعد يعترف بالأزهر كجهة ممثلة للمسلمين، كما تعني أيضاً أن الفاتيكان قد كشف عن خططه السرية، بأن لديه جهات إسلامية أخرى توافق على سياساته، وتؤيد تصريحات البابا المتكررة ضد الإسلام والمسلمين، وهذه الجهات من السهل العثور عليها أو تشكيلها في الغرب من أفراد ينتمون للإسلام اسماً وشكلاً، وهم مستعدون لبيع أنفسهم لأعداء الإسلام.

من المفترض في الفاتيكان كواجهة للمسيحيين الكاثوليك في العالم، أن يكون دائماً وسيط سلام وطرفاً محايداً بين الجميع، لكن هذا الأمر غير ملحوظ في الواقع. وهذا ليس رأي المسلمين وحدهم، بل هو رأي وموقف الكثير من الطوائف المسيحية الأخرى، وخاصة أرثوذوكس الشرق الذين يرفضون تماماً التعامل مع الفاتيكان. وهناك على سبيل المثال صراع قديم وحاد بين الفاتيكان والكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في روسيا، والتي يتبعها أكثر من ثلاثمئة مليون مسيحي في روسيا وعدة دول أخرى، هذه الكنيسة لا تعترف بالفاتيكان ولا تتعامل معه، وأرض روسيا لم تطأها حتى الآن قدم أي بابا من بابوات الفاتيكان، رغم إبدائهم جميعا رغبتهم وتشوقهم لهذه الزيارة، ويقول «فيسفولود تشابلين» المتحدث باسم بطريركية موسكو، في ذكرى مرور ‬950 عاما على تقسيم الكنيسة المسيحية إلى أرثوذكسية وكاثوليكية: «إن إعادة بناء الوحدة الدينية بين المسيحيين لن تتم إلا بعد أن يغير الفاتيكان سياسته ويبتعد عن سياسات الحكومات الغربية، ويعود إلى الإيمان الحقيقي بالله».

وكان البابا الراحل يوحنا بولس الثاني قد التقى في فبراير ‬2003 رئيس روسيا، آنذاك، فلاديمير بوتين في مقر الفاتيكان، وقدم في حضوره اعتذاراً علنياً عن ألف سنة من الأخطاء التي ارتكبها الفاتيكان في حق الأرثوذكس، وعبر عن أمنيته الكبيرة أن يزور روسيا، ليكون أول بابا للفاتيكان يزور روسيا ويضع حدا للخلافات مع الكنيسة الأرثوذكسية، وأبدى بوتين ترحيبه بالزيارة واستعداده لبذل المساعي لتسوية هذه الخلافات، ولكن البطريرك الروسي الراحل أليكسي الثاني رفض زيارة بابا الفاتيكان لروسيا، كما رفض اعتذاره قائلاً «لا نريد اعتذارات أمام الكاميرات ووسائل الإعلام.. نريد تطبيقا على أرض الواقع وأفعالا تثبت صدق النوايا». وكان البطريرك الروسي أليكسي الثاني قد أعلن استنكاره التام لتصريحات البابا بنديكت السادس عشر، التي تناول فيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأصدرت الكنيسة الروسية بيانا بهذا الصدد تشيد فيه بالإسلام وروحه السمحة على مر التاريخ، وتدين مواقف الفاتيكان السياسية وتعتبرها موالية لسياسات تدعو للفتنة بين المؤمنين في العالم كله.

إذا كانت الطوائف المسيحية الأخرى ترفض سياسات الفاتيكان وترفض الحوار معه، فأي حوار يمكن أن يكون للمسلمين مع جهة لا تخفي عداءها السافر لهم؟