يتوفّرُ الحدثُ التونسيُّ منذ فرارِ زين العابدين بن علي وإِنهاءِ حُكمِه، قبل أسبوعين، على كلِّ أسباب الانجذابِ إِليه، ومن جديد تفاصيلِه مشهدُ رئيس أركان الجيش، الجنرال رشيد عمار، يُحاورُ متظاهرين في العاصمة، أمام كاميراتِ التلفزات، ويبلغُهم تعهّدَ الجيش بحمايةِ ثورةِ الشعب، وينصحُهم بعدمِ دفعِ بلدِهم نحو الفراغ. والمعهودُ عربياً في مثل من هم في منزلةِ هذا الرجل، أنْ يتحصّنوا في القصور عندما يفتعلون انقلاباً يُسمونَه ثورةً، ويُصدِرونَ البيانات والمراسيمَ والأَوامر، ثم يطلقون التعهداتِ إيّاها عن نعيمٍ ستشهدُه البلادُ تلو نعيم، ثم تجري الحوادثُ على النحوِ الذي يتأبّدُ فيه وجودُ هؤلاءِ في السلطة وفي موقعِها الأول، في انتخاباتٍ دوريةٍ مؤَكدّةِ النتائج، أو في استفتاءاتٍ من النوعِ إياه.
مشهدُ الجنرال عمار بين المتظاهرين الساعين إلى تغييرِ وجوهٍ بعينِها في الحكومةِ المؤَقتة في بلدِهم، استثنائيٌّ بالقدرِ الذي جاءت فيه الثورةُ التونسيةُ استثنائيةً في الحالةِ العربيةِ الراهنة، والتي راجَ أنَّ الشارعَ فيها أعجزُ من أن يُحدِثَ الانتقال المشتهى، من الاستبدادِ والفسادِ إلى الديمقراطيةِ والشفافية، غيرَ أنَّ شعبَ تونس فرضَ زوايا نظرٍ بديلةٍ إلى تلك الفرضيةِ المرتجّة. ومن تفاصيلِ الاستثنائيّةِ في المفاجأة التونسيّةِ الباهرة، أنَّ الثـــورةَ خلت من زعاماتٍ قياديةٍ فيها، وبقيَ الشعبُ، بشرائِحِهِ المتنوّعة، سيّما الشبابُ، وحدَهُ الذي يُنَظّمُ حركيّتَه التي توسَّعت في المدنِ المُهمشّةِ وامتدَّت، حتى إذا وصلت إلى العاصمة، أجبرت ابن علي على ظهورِه الأخير مرتعشاً، وعلى وقعِ صيـــــــحاتٍ تطالبُ بإنهاءِ سلطتِه في نهارِ اليوم التالي، آثرَ الهرب، ثم صارت الهديةُ التونسيّةُ الثمينةُ للشعوبِ العربيّة.
وحتى لا يزلَّ الاجتهاد هنا، بشأن غيابِ زعاماتٍ قياديةٍ في الثورة، يجدرُ التنويهُ إلى أنَّ هذه ميزةُ قد تكون محمودةً في واحدٍ من وجوهِها، مع التنبيهِ إلى الفاعليّةِ المقدّرةِ التي كانت لتشكيلاتٍ نقابيةٍ وتمثيلاتٍ متنوعةٍ، أثناء التظاهراتِ المطلبيةِ الاجتماعيةِ والسياسيّة، طوال الأسابيع الثلاثةِ التي اكتملت بهروبِ ابن علي، وفي البالِ أنَّ دوراً للاتحاد التونسي للشغل كانَ ملحوظاً في تلك الأثناء، وكذا لناشطون في قوىً معارضةٍ وحقوقيّة. وبعيداً عن السؤالِ عمّا إذا كانت ثمّة حاجةُ لزعاماتٍ في هدير ما بعد حرق محمد البوعزيزي نفسَه، قد يعودُ تفسيرُ الأمر إلى أنَّ قبضةَ زين العابدين بن على طوالَ أكثر من عقدين، لم تكن تُيّسِّر أيَّ فضاءٍ لظهورِ زعاماتٍ ثقيلةٍ ذاتِ حضورٍ فاعل، سيّما مع وجود مناضلين تقدميين في المنافي والمهاجر، مع أنَّ المشهدَ عموماً لم يعدم ظهور أصوات مقدرةٍ في تونس، تمكنّت من إيجاد حيّزِها المعارض، والجذريِّ أحياناً، في الداخل.
لأنَّ الطزاجةَ وفيرةٌ في المشهد، ربما نقعُ على بعضِ التشوّش الحادثِ فيه، سيّما مع الاندفاعةِ الشعبيةِ المطالبةِ بتغييرِ الحكومةِ الانتقالية، ومع كثرةِ المقترحاتِ والطروحاتِ من معارضين عديدين، يتوسلون صيغاً مشروعةً للتواصل مع الشعب، بغيةَ الوصول لاحقاً إلى مقاعدَ برلمانية، أو إلى رئاسةِ الجمهوريةِ كما يطمح بعضهم. نُعاين هذا كله، فيما غبطتُنا غزيرةٌ من منجزاتٍ غيرِ قليلةٍ تيسّرت لشعبِ تونس، في أول اجتماع للحكومة المختلفِ عليها؛ منها العفوُ الشاملُ والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإطلاقُ حريةِ الإعلام، وتشكيلُ لجانِ لتقصّي وقائعِ الفسادِ والنهبِ المريعةِ التي انتعشت في زمن ابن علي، وارتكبت كثيراً منها زوجتُه وعائلتُها وأسرتُه، والفصلُ بين الدولةِ وحزبِ التجمع الدستوري الذي هيمنَ على الفضاء السياسي في تونس، مع بدء هذا الحزب بالتفكك، في موازاةِ القبضِ على رموزٍ شرسةٍ في النظامِ السابق. هي منجزاتٌ محمودةٌ، يعرفُ شعبُ تونس ونخبُه المحترمة والمجرّبة، كيف يدَشنون منها انتقال بلدِهم إلى انعطافةٍ يصيرُ فيها الجمهوريةَ العربيةَ الأولى التي تعرفُ ديمقراطيةً تعدديّةً حقّة، وليس تعدديةً ديكورية بائسة ثقيلةَ الوطأة مضجرةً ومكشوفة.