يراهن مراقبون ومتفائلون على انتقال عدوى ثورة الياسمين إلى عواصم اقليمية مترهلة بالوباء التونسي. ذلك رهان ربما يجري على طاولة شرق أوروبا عندما انتشرت شرارة الثورة من حوض السفن في غدانسك البولونية في ثمانينات القرن الأخير. هو حلم أكثر منه رهان.
حلم اقليمي في التحرر من وطأة الأزمات المزمنة والتدهور المريع في ظل أنظمة عاجزة لا توفر سوى ملاذات بائسة نابذة متخلفة. هو حلم يكتسب بريقاً بلورياً من وهج التلفزيون الناطق في العربية حيث تتفتح ثورة الياسمين نهاراً ومساء.
غير أنه حلم يتبدد أمام خصوصية كل إطار اقليمي يزداد ضيقاً على شعبه تحت حصار ماكينات القمع وشظف العيش.
عبقرية الشعب التونسي لا تكمن فقط في قدرته الفريدة على الاحتفاظ بجذوة الثورة شهراً ويزيد. بلاغة الياسمين تتجسد في البذل السخي بالروح والدم بدون مساومة أو تردد. شعب مقدام لم ينكسر أو يتراجع. عبقرية التونسيين الجوهرية تتمثل في عدم الاكتفاء بقطع رأس النظام بل في إصرارهم على اجتثاث الطبقة الحاكمة الضيقة الأفق والنطاق.
مع قناعة باستحالة استنساخ التجربة التونسية في عواصم اقليمية تبدو حاضنة لشرور النظام المخلوع يمكن استخلاص قناعات تعين على نشر الياسمين.
ربما يفيد الأنظمة المتخمة بالاستبداد والفساد إدراك فشل تحقيق الاستقرار عبر القمع. تلك فرضية مبنية على قاعدة خاطئة لوظيفة الدولة. عوضاً عن التسلح بالعدالة تجنح أنظمة لاحتكار القوة وتشرعن لنفسها ممارسة العنف ضد شعوبها. كما يفيد تلك الأنظمة الوعي المبكر بأن طريق إقصاء الآخرين يفضي بها إلى هاوية لا محالة. كذلك يثبت الإنفجار التونسي أن الاختباء وراء العشائرية كما المذهبية والطائفية لا تشكل ملاذات آمنة على المدى البعيد مثل الاستقواء بالمراكز والقوى الخارجية.
التونسيون قدموا أنموذجاً شعبياً باهراً في نبذ الوصاية والصمود أمام الترهيب والبحث عن حياة أفضل في وطن مفتوح أمام رياح الحرية يحكمه نظام خاضع للرقابة ويتسم بالشفافية. الشارع التونسي لم ينتظر النخب السياسية المدجنة والمترددة ليزيح نظاماً توغل في الاستبداد والفساد. لذلك لم يتوقف زخم الثورة عند حواف الفعل السياسي والاكتفاء بإزالة الأسرة الحاكمة إذ لا يزال الغليان الشعبي يستهدف صهر كل الطبقة الحاكمة.
إذا كان الإنفجار التونسي اتسم بالعفوية والتلقائية في رفضه العارم فذلك لا يعني عجز الشارع التونسي عن تقديم كفاءات قادرة على إدارة عجلة المرحلة هذه ثمرة تنضج في خضم المخاض. رفض رموز النظام يعبر عن وعي شعبي عميق بمخاطر عدم بلوغ الثورة مداها الأقصى.
ثمة ساسة محترفون يودون رؤية الجماهير الهادرة تتسكع على الرصيف حرصاً منهم على امتيازاتهم المكتسبة زوراً أو سعياً لركوب موجة التغيير. هؤلاء هم سارقو الثورات. تلك تجربة عاشها السودانيون مرتين في ستينات وثمانينات القرن الفائت. التجربة التونسية تكتسب إثارة لكونها تحدث في ضوء كاميرات التلفزة العالمية.
تونس نفسها واقع غير مطابق للأقطار العربية. ربما تكون مثل عدد من شقيقاتها، دولة ذات إرث تاريخي جغرافي عتيق. أكثر ما يميزها عن الأوتقراطيات من حولها أنها ليست مثقلة بالايدولوجيات كما جاراتها. هي كذلك بلد مسكونة بطبقة وسطى كبرى من ملايينها العشرة تدير جدلها اليومي عن الموازنات الخاصة والعامة أكثر من التجاذب السياسي. ذلك إنجاز استطاع بلورته الحبيب بورقيبة على قاعدة علمانية تضعه في مصاف أتاتورك. تلك هي القاعدة التي ولدت لدى التونسيين قناعة وحماسة من أجل مواكبة معدلات النمو مع تصاعد الطموحات.