يصعب علي أن أجد عنواناً لهذه المقالة، خاصّة أن االموضوع يمس الوطن، لكن الأصعب أن يكون محور الكلام نقدا واستهزاء بزعامات وطن لطالما اعتبرته جنة تمجد الله على الأرض، ولوحةً تريح النظر، لكنها تشوهت وأصبحت ألوانها مبعثرة ومعانيها ضائعة. تفاقمت الأحداث السياسية في لبنان منذ عام 2005 إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فكثرت التكهنات والاتهامات، وأصبحنا نشاهد مسرحية يجهل مخرجها كيف ستنتهي، والممثلون فيها ضعيفو الأداء وأدوارهم بسيطة. 14 آذار و8 آذار، معارضة وموالاة، محكمة دوليّة، شهود زور، اتفاق الـ«س ـ س» والـ«ش ـ ش» والـ«لام ـ لام».. وغيرها من التسميات والعبارات الّتي أصمت آذاننا، وكانت نهايتها استقالة المعارضة من الحكومة اللبنانية، وهنا دخلنا في سيناريو جديد..
وماذا بعد؟ إلا يكفينا اقتتالاً وفتناً وشرذمة؟! سموها حكومة وفاق وتطوير، وإذا بها تكون حكومة نفاق وتدمير.. نعم تدمير، فإذا لم تستدرك قوى 14 آذار خطورة وعواقب هذه الاستقالة، فالبلد ذاهب إلى فتنة ومجهول لن تكون نتائجه لا لمصلحة هؤلاء الزعماء ولا لمصلحة الشعب بجميع فئاته. حان الوقت كي تزيح بعض الفئات اللبنانية هذه الستارة عن أعينها، وتقتنع أننا أمام عفريت إسرائيلي، ومؤامرة كبيرة تهدف إلى ضرب المنطقة العربية والانقضاض على خيراتها ومقدّراتها، وجعلها الرجل العجوز العاجز عن النهوض، من السودان إلى فلسطين المحتلة، مرورا بالعراق، وها نحن في لبنان لا نلبث أن نخرج من حفرة حتى نقع في هاوية!
هم متربعون على عروشهم، غارقون في تعصبهم المذهبي والطائفي، يضحكون على الشعب بعباراتهم الزائفة؛ من الوفاق الوطني إلى الوحدة والسلم الأهلي.. أتساءل لماذا لم يطالب بمحكمة دولية للتحقيق في مقتل رؤساء كبار وعظام، مثل رينيه معوض ورشيد كرامي، وبنازير بوتو.. وغيرهم؟ لماذا هذا التوقيت؟ لماذا هذا الإصرار؟ لماذا شهود الزور والقرار الظني أخذوا أكبر حيز من الوقت في نشرات الأخبار ومن حياة رؤسائنا؟! يا ليتهم أعطوا شبابنا المهاجرين ثانية ليفكروا كيف يجدوا لهم فرص عمل ليعودوا! يا ليتهم أعطوا شعبهم ثانية ليحلوا مشكلة الماء والكهرباء والضغوط المعيشية التي تزيد يوماً بعد يوم! يا ليتهم أعطوا نفسهم ثانية ليفكروا كيف يعلمون هذا الشعب على التعايش والانصهار الحقيقي، بدل إصدار قوانين تثير الشحنة الطائفية والفرز الطائفي! يا ليتهم ويا ليتهم..
هذه المرة لا اتفاق دوحة، ولا تدخل تركي ولا سعودي، ولا غير ذلك سوف يحل المشكلة، والدستور والطائف وما هنالك من اتفاقيات، ليست إلا عناوين زائفة في ظل هذه النفوس المشحونة، الّتي تعيق الاستقرار في البلد وتمنعه من المضي قدماً. أسئلة كثيرة تطرح نفسها في هذا الحين: بعد الاستشارات النيابية، هل سيبقى سعد الحريري رئيسا للحكومة؟ ما ردّ إسرائيل وأميركا على هذا الفراغ إذا تعطل البلد؟ هل سيكون هناك دور لحزب الله؟
مهما كثرت التساؤلات ومهما كانت الاستنتاجات والتحليلات، يبدو أنّه كتب على الشعب اللبناني أن يكون الجمهور المصفق دائماً رغماً عنه، في مسرحية كوميدية مدبرة، تقام على أرضه تخطف أحلامه وتدمّر طموحه.. والمحزن المبكي أنّ الممثلين ليسوا سوى زعماء نصّبوا كي يدافعوا عن القرار ويحصنوا النظام، لكنهم فشلوا في حفظ أدوارهم فجاء السيناريو ضعيفاً، وأصبحت المسرحية درامية، ونرجو ألا تكون دامية!
أملنا أن تصبح سيناريوهاتنا من إنتاج محلي، علّنا نرى لبناننا جميلا كما عهدناه، وكما نحلم أن يبقى.