قبل الأحداث في تونس بأيام قليلة، وبالتحديد في الرابع والعشرين من ديسمبر، كتبت في هذا المكان مقالا تحت عنوان «شوارع حية وأخرى ميتة»، وقصدت بـ «الحية» الشوارع الأوروبية المنتفضة ضد سياسات التقشف، وبـ «الميتة» شوارعنا العربية التي تموت جوعا وفقرا وقمعا ولا تحرك ساكنا.

وصراحة أقول إنني عندما كتبت المقال لم يخطر على بالي الشارع التونسي، رغم علمي بفساد النظام القائم هناك، إلا أنني أرى أن الشعب التونسي يعيش في مستوى أفضل من كافة شعوب الأمة العربية، باستثناء بديهي، وهو شعوب بلدان مجلس التعاون الخليجي.

والانتفاضة الشعبية في تونس أشعلتها في الواقع قضيتان أساسيتان، هما البطالة وفساد النظام وقمعه للحريات، والقضيتان لم يصلا في تونس إلى الحد الذي وصلتا إليه في دول مجاورة، بل أقل منها بكثير، ولهذا كان بديهيا أن تلقى انتفاضة الشعب التونسي إعجابا وتأييدا شعبيا كبيرا في بلداننا العربية.

لقد ترددت توقعات وأمنيات الكثيرين بتكرار هذا النموذج في بلدان عربية أخرى، ورغم عظيم احترامي وإعجابي بالشعب التونسي البطل الذي كسر قاعدة الشوارع العربية الميتة، إلا أنني أقولها صراحة انني لا أتمنى تكرار هذه التجربة في بلدان أخرى، وخاصة في بلدان عربية أكبر حجما وسكانا بكثير، والأسباب لدي كثيرة، فلقد اتسمت انتفاضة الشعب التونسي منذ انطلاقها وحتى نهايتها.

بالعشوائية والفوضى الأقرب لإحداث شغب منها لانتفاضة شعب، وغاب عنها التنظيم وتحديد الأهداف. وهذا يرجع إلى غياب القيادة الشعبية الواعية، التي تخطط وتحدد الأهداف وتقود الشعب في انتفاضته، وترفع مطالبه وتدير دفة الأمور بشكل منظم يحقق الأهداف والنتائج الإيجابية.

وكان من الممكن أن تتحول هذه الانتفاضة إلى كارثة مأساوية لولا الهروب السريع للرئيس بن علي. ولا نستطيع حتى الآن أن نجزم بأن الانتفاضة التونسية قد حققت شيئا كبيرا بالفعل، كما أنها لم تأت بالتغيير المطلوب، بل على العكس، كرست الانتفاضة بقاء النظام السابق في الحكم رغم رحيل الرئيس، وتسلقت جهات وقوى لم يكن لها أي دور في الانتفاضة، لتتقاسم كعكة السلطة مع بقايا النظام السابق.

أما أجهزة الأمن التي دافعت عن النظام ضد الانتفاضة وقتلت بدم بارد العشرات من أبناء الشعب التونسي، فقد بقت كما هي ولا أحد يتحدث عن محاسبتها، ولا حتى من القوى المعارضة التي ذهبت تتقاسم السلطة مع رموز النظام السابق. أما الأمل في التغيير الذي يحلم به الشعب فلا توجد ضمانات لتحقيقه، والسبب في ذلك أن الجماهير التونسية خرجت بانفعالات وعشوائية كاملة، ولم تكن لها خطط أو أهداف محددة، والأهم من ذلك أنها لم تكن لها قيادة واعية ومؤمنة بقضاياها، لتوجه انتفاضتها على الطريق إلى الأهداف الصحيحة، ومن السذاجة والخطأ الكبير أن نتصور أن الشعوب وحدها بدون قيادة تستطيع أن تصنع أي تغيير.

والغريب في الأمر أن تونس البلد الصغير، توجد فيه العشرات من التنظيمات والأحزاب المعارضة، لكنها جميعها اختفت تماما أثناء الانتفاضة، ولم يظهر إلا القليل جدا منها في اللحظات الأخيرة قبل هروب الرئيس بساعات قليلة، وبعد أن تأكد فشل النظام في قمع الانتفاضة، ثم خرجت جميعها من جحورها لتتسلق الانتفاضة وتحصد مكاسبها وتحولها لها.

من المؤكد أن ما حدث في تونس لو تكرر في بلد عربي آخر كبير، فسيتحول إلى كارثة مأساوية قد تأتي على الأخضر واليابس، ولا يجب أن تترك الشعوب تتحرك بعشوائية دون قيادة، لأنها ستخسر الكثير وستهدر دماءها ولن تجد من يثأر من قتلتها. حركة الشعوب لا بد أن تكون منظمة وموجهة من قبل قيادة شعبية مجمع عليها، تضع الخطط والوسائل والأهداف، ومستعدة في نفس الوقت للتضحية بأن تكون هي نفسها في طليعة الانتفاضة، بدون ذلك لا ننتظر تغييرا.