ما أخبارُ العربةِ التي كان يبيعُ عليها الشاب التونسيُّ الجامعيُّ محمد البوعزيزي خضاراً وفاكهةً، قبل أنْ يحرِقَ نفسَه لمّا أرادت موظفةٌ في بلديةِ مدينتِه مصادرتَها؟ يبدو التسلّي في البحثِ عن إجابةٍ عن هذا السؤال، ترفاً ذِهنياً أمامَ الإعجابِ الواجبِ والمؤكدِ بالمنجزِ الباهرِ الذي أنجزَه شعبُ تونس، في ثورتِه الواسعة، والتي أدهشَنا في مفاجأَتِنا بها، بعدَ الاحتجاجِ الصادمِ الذي بادرَ إليه ذلك الشاب الذي تُوفي بعد أيامٍ من عيادةِ زين العابدين بن علي له في المستشفى.. من دونِ مشابهةٍ بينهما، ذكّرتْنا عربةُ البوعزيزي بعربةِ فيروز في دورِ بائعةِ البندورة في مسرحيّة «الشخص» في ساحةِ المدينة.

وجاءت شرطةُ البلديةِ لإبعادِها عن المكانِ ومنعِها من البيع، وصادرت منها العربة، لأنَّ الشخصَ سيتواجدُ في السّاحة. رفضت فيروزُ المغادَرة، واستقبلت الشخصَ بالغناء، ثمَّ سيقت إلى المحاكمة، وقُضيَ ببيعِ عربتِها في المزادِ العلنيِّ، قبل أنْ يمضي مجرى المسرحيةِ إلى لقائِها بالشخصِ نفسِه، وتحسُّسِها مشكلةَ عُزلتِه.

تُرى، هل ستُحمى عربةُ البوعزيزي من النّسيان، فتوضع في متحفٍ، يقيمُه تونسيون ناشطون يُوثّقون فيه ما يتيَسَّر توفيرُه من أرشيفِ البطشِ في زمن ابن علي؟ اقترح ذلك صحافيٌّ عربيٌّ لتكريم محمد البوعزيزي الذي لم يتخيلْ أحدٌ، في تونس وغيرِها، أنَّ إحراقَ هذا الشاب نفسَه سيُشْعِلُ الثورةَ التي صارت واتَّسَعت، ثمَّ خلعت ابن علي وجعلتْه يفرُّ من القصرِ الرئاسيِّ إلى خارجِ البلاد. هل تحظى تلك العــــــربةُ التونسيةُ بالمتحفِ المـــأمول، أم تباعُ بمزادٍ علنيٍّ كما العربةُ المتخيلةُ في مسرحيةٍ رحبانيةٍ، ليست منسيَّةً منذ عرضِها الأوّل قبل ‬42 عاماً؟

مثيرٌ للتفكُّر والتملّي فيه أنْ تكونَ مصادرةُ عربةِ خضارٍ وفاكهةٍ في شارعٍ، شرارةَ أولِ ثورةٍ شعبيةٍ عربيةٍ ناجحة، وإنْ يقالُ، عن صدقٍ ووجاهةٍ مُحقَّةٍ، إنَّ احتقاناتٍ وفيرةً في تونس، بسببِ الانسدادِ السياسيِّ الحادِّ واختلالِ السياسةِ التشغيليةِ والإنمائيةِ هناك، كانت وراءَ اتساعِ الهبَّةِ غيرِ المسبوقةِ نتائِجُها عربياً، والتي هتفَ فيها شعبُ تونس أنَّه يريدُ الحياةَ في شروطٍ كريمةٍ وأن ينْعمَ بحرياتٍ يستحقّها، ويريدُ تحريرَ بلدِه من «عصابة السراق» و«حكومةِ الفساد».

كما جاءَ في بعض شعاراتِه طوالَ ‬28 يوما، استسْهلَ فيها الأمنُ إطلاقَ الرصاص الحيَّ على المحتجين، ثم كانَ ما كان. وتستنفرُ المفاجأةُ في تدحرجِ الأحداثِ في تونس في غضونِ الاحتجاجاتِ الداميةِ، وجوبَ مراجعةِ الثقافةِ السياسيةِ في أفهامِنا ومدارِكنا، بشأنِ النخبِ والشبابِ والأحزابِ، وبشأنِ الشارعِ العربيِّ والمؤثراتِ الفاعلةِ فيه، وغيرِ ذلك من قضايا لا مُجازفةَ في القولِ هنا إنَّ قناعاتِنا، معلقين وأصحابَ رأيٍ وانشغالٍ بالهمومِ العامّة، في خصوصِها قاصرةٌ وغيرُ صحيحةٍ تماماً.

ومما له دلالتُهُ أنَّ الذين تظاهرَوا في حواضرِ تونس وبلداتِها لم يرفعوا شعاراتٍ ذاتِ سمتٍ أيديولوجيٍّ، تؤشِّرُ إلى خيارٍ إسلاميٍّ أو يساريٍّ أو ليبرالي، بل هي الحريةُ والخبزُ معاً، بلا تأويلٍ وتطويلِ كلام، مع يقينِهم بأنَّ توفّرَ هذين المطلبين لن يكونَ ميسوراً ببقاءِ زين العابدين بن علي رئيساً، وهو الذي اختزلَ الدولةَ في شخصِه وشرطتِه وزوجتِه وعائلتِها، ما قد يُجيزُ القولَ إنَّ ابن علي هو من أسقط ابن علي.

الكلامُ غزيرٌ في هذه الأيام عن تونس وانعطافتِها الراهنة، وعن البواعثِ الوفيرةِ التي سوّغت المفاجأةَ فيها، وليس هذا الكلامُ في الصحفِ والفضائياتِ مُضجِراً، لأنَّ الأشواقَ العربيةَ عريضةٌ للتأمل في المفاجأةِ الثمينة، في بلدٍ حُسبَ طويلاً أنّه الأولُ في مراتبِ النمو الاقتصاديِّ بين الدول العربية غير النفطية، مع محدوديّةِ موارده الطبيعية، ومحضَ جاك شيراك الاقتصادَ فيه وصفَ «المعجزة». لنتابعْ تفاصيلَ المشهد المستجدّ في تونس، ونعرفَ ما لم نكنْ نعرفُ عن هذا البلد، وما غالبَه أهلُه من اختناقاتٍ جعلت عربةَ خضارٍ لشابٍّ عاطلٍ عن العمل تستحقُّ متحفاً.