رفع الشريعة على مقدمة الأجندة السودانية الراهنة لا ينفع الدين ويلحق الأذى بالوطن. السودانيون لم يدلفوا إلى الإسلام حديثاً قوانين الشريعة منصوص عليها في السودان منذ عهد جعفر نميري. نيفاشا كرَّست بقاء الشمال تحت رايات الإسلام.

الأولوية في الأجندة السودانية تلح على السلام والحرية، انفصال الجنوب عن الشمال ينهي أطول حرب في إفريقيا. هذه الدراما التاريخية لا تسدل الستار على الحرب الأهلية في السودان. مشهد الاقتتال الأهلي لا يزال مفتوحاً ومتقداً في دارفور. شبح الحرب يهوِّم بين الشطرين ما ظل السلام على حاله هشاً. لا شيء يعلو على سلام دارفور في الأجندة السودانية.

السلم الوطني لا يتحقق خارج أطر الحوار. تلك هي القيمة العليا المستقاة من مخاض نيفاشا القيصري. الاحتكام إلى السلاح لا يفرز سلاماً. العنف لا يولِّد إلا عنفاً. تكريس السلام ينهض على العمل السياسي الصبور الواعي. إقصاء الفرقاء يزيد الأفق السوداني انسداداً. الاعتراف بالآخر يفتح الأفق أمام التحوُّل الديمقراطي. عبر الديمقراطية فقط يمكن بلوغ نتائج تحقق السلم الوطني. العملية الديمقراطية لا تنحصر في التوجه إلى صناديق الاقتراع وفرز الأصوات. هاتان ممارستان تأتيان في نهايات عمل سياسي مكثف مشبَّع بالحريات.

يوسف القرضاوي وهو حجة إسلامية معاصر منح الأولوية للحرية على الشريعة بينما يعلِّق على تطورات تونس. ذلك تأكيد بليغ من عالم معروف على أهمية الحريات مظلة لا غنى عنها للشعب والدين. الحرية تشكل في الوقت نفسه مصداً مضاداً للاستبداد والفساد. رفع راية الشريعة يصبح عند منعطفات وطنية محددة بمثابة تهديد باطل أكثر منه تلويحاً بحق واجب. وحدهم المختبئون وراء الاستبداد والمتوغلون في الفساد يفيدون من التلويح بالباطل.

التمادي في الاعتماد على السلاح بغية الخروج من مأزق دارفور يفضي حتماً إلى استفتاء آخر على مصير جزء ثانٍ من السودان. تجاهل مطالب أبناء وبنات الإقليم العادلة لن يحقق العدالة المنشودة. تغليب المصالح المكتسبة بقوة السلاح الطارئة من قِبل شرائح ضيقة على حقوق القطاع العريض من أهل الإقليم لن يقود إلى السلام.

في أجندة الخرطوم العاجلة لا شيء يعلو فوق سلام دارفور. معالجة هذه القضية تعبر بالضرورة مائدة الحوار الواسع بمشاركة قوى الطيف السياسي السوداني.

دون الولوج في تحديد دور النظام الحالي في انفصال الجنوب يبقى تأمين السلام مع الدولة الجديدة قضية ملحة كذلك في الخرطوم. بعد التفريط في الوحدة يصبح استتباب السلام ركنا وطنيا لا يستقيم الأمر بدونه.

بناء وحدة الشمال مثل بناء حصون السلام يجب بناؤها كما ينص ميثاق منظمة اليونسكو داخل عقول البشر. الفئة القابضة على السلطة في الخرطوم مطالبة بكسر قوس الأزمات حول الوطن. تلك مهمة لن يتم إنجازها عبر إعادة تدوير تلك الأزمات. الديمقراطية تشكل المخرج الوحيد أمام جميع السودانيين. مفصل العملية الديمقراطية يتمثل في ضمان حقوق الأقليات وليس ما تمارسه الأغلبيات الثابت منها والمزعوم. حين تكتشف الأنظمة المستبدة بؤسها الدنيوي تفزع إلى سحر الدين. ذلك درس تاريخي مكرور.

الأزمة الاقتصادية تشكل بنداً ضاغطاً على النظام الحاكم في الخرطوم. هذه مسألة لا يمكن بلوغ حلول ناجعة لها في غياب مشروع وطني مبني على أجندة ديمقراطية تبلورها القوى السياسية والاجتماعية المنوط بها إحداث تغيير جذري يكسر طوق الأزمة.