لا يمكن لعاقل أن يتصور أن حادث الاعتداء على كنيسة القديسين في الإسكندرية، كان يستهدف بالتحديد المسيحيين الأقباط في مصر. والمتتبع لأحداث الإرهاب والتفجيرات الإرهابية في مصر بالتحديد، يلمس بسهولة تميزا واضحا لحادث الإسكندرية عما سبقه من أحداث.
حيث كانت الأحداث في معظمها يغلب عليها الطابع الفردي في تنفيذها، أي تعتمد على مجهود الأفراد، بما فيها حادث متحف حتشبسوت عام 1997، أما حوادث السيارات المفخخة بعبوات تفجيرية كبيرة، فهي نادرة في مصر بينما هي الغالبة على الساحة العراقية، وهي حوادث مشكوك في ترتيبها وإعدادها، وقد ثبت في العراق وقوع عمليات لم يكن يعلم أفرادها أن سياراتهم مفخخة، وهذا مؤشر خطر للغاية، لأنه يعني أن مصر مقبلة على سيناريو من الإرهاب، غاية في الخطورة في أساليبه وفي أهدافه أيضا.
حادث الإسكندرية يستهدف مصر الدولة، وليس مصر الشعب مسيحييه أو مسلميه، والفاعل لا بد وأن يكون من الخارج، أي عدو لمصر، أما التطرف والتعصب الديني فمجرد أداة تستخدمها هذه الجهات الخارجية، التي تسعى لزرع الفتنة الطائفية وتصعيدها إلى أقصى الدرجات، وفي نفس الوقت يبدأ التصعيد على الساحة الخارجية لمشاكل الأقباط في مصر.
وتصويرهم كفئة مضطهدة تعاني من خطر البقاء وسط مجتمع إسلامي متطرف، وهذا ما يقوم به تجمع قبطي مصري بعيد تماما عن أية تهديدات إرهابية، يعيش في الولايات المتحدة الأميركية. ويبدو أن هذا التجمع مناط به القيام بدور كبير في المسلسل الذي يستهدف مصر الدولة، خاصة وأن له تاريخا حافلا في هذا الصدد، وقد بدأ بالفعل في ممارسة هذا الدور في أعقاب حادث كنيسة القديسين في الإسكندرية، حيث ذهب يدعو علنا، ولأول مرة، إلى قيام دولة مستقلة للأقباط في مصر.
وطالب هذا التجمع باتخاذ إجراءات تمهيدية لهذه الدولة، منها منح الأقباط في مصر بعض الحقوق والامتيازات تمهيدا لحكم لهم، وليس غريبا أن تكون قيادات هذا التجمع من أكثر الموالين لإسرائيل والناصحين لها بألا تثق في العرب ولا تؤمن بصدق نواياهم في السلام.
وهذا ما يرددونه على القناة التليفزيونية التي يملكونها، وليس غريبا أيضا أن يكون هذا التجمع على عداء مزمن مع الكنيسة القبطية في مصر، ومع الأنبا شنودة بطريرك الأقباط المصريين المعروف بموقفه السلبي من التطبيع مع إسرائيل.
إنه التمهيد لسيناريو التقسيم للدولة المصرية الكبيرة، وبالطبع لن يكون الأمر سهلا ولا متاحا مثلما حدث في العراق والسودان، وذلك بحكم العلاقة التاريخية بين مسيحيي ومسلمي مصر، الذين ينتمون لقومية واحدة منذ مئات السنين، وليس لأيهما وطن أو ملجأ آخر سوى أرض مصر.
ويبقى السؤال؛ «لمصلحة من كل هذا؟»، وكنت أعتقد أنه سؤال ساذج، لأن الإجابة عليه بديهية ومعروفة وهي «لمصلحة أعداء مصر»، ولكنني فوجئت بأن هناك في مصر من يجادل في هذا الأمر، وصدمتني بحق مقولة تتردد في بعض وسائل الإعلام المصري وعلى ألسنة شخصيات غير مشكوك في وطنيتها، يقولون «إلى متى سنظل نعلق أخطاءنا على شماعة إسرائيل؟»، هل من المعقول أن إسرائيل أصبحت مجرد شماعة نعلق عليها أخطاءنا؟
أخشى ما أخشاه أن يكون هذا هو رأي النخبة السياسية في مصر، خاصة وأننا لم نسمع حتى الآن أي اتهام صريح لإسرائيل، من أي شخصية رسمية أو من النخبة السياسية والإعلامية التي عادة ما تحذو حذو النظام المصري في توجهاته، اللهم إلا كلمة مختصرة وصريحة سمعتها من شيخ الأزهر د. أحمد الطيب أعطتني بعض الأمل، حين قال في حديث تليفزيوني «إن هذه المشاكل لم نعرفها إلا في السبعينات مع الانفتاح والسلام مع إسرائيل، ولم يكن لها وجود من قبل في مصر».