متأخرةً عن واقعةِ وفاتِهِ، تَنْكَتِبُ السطورُ التالية، عن الفلسطينيِّ النظيف عبد الله الحوراني، وتُذكَّر به، وهو الباقي دائماً في قلوبِنا ومداركِنا إنْ شاءَ الله، في أجواءِ أربعينِه، رحمه الله. يستحقُّ أنْ يُخلَّدَ اسمُهُ بين أنقى المناضلين والمثقفين والفاعلين الفلسطينيين، وأنْ تَعْرِفَ سيرتَه وعطاءَه أجيالُ العرب، فقد كانت فلسطينيّتُهُ عنوانَ عروبتِه منذ كانَ الفكرُ القوميُّ خيارَه، لمّا استهواهُ في شبابِهِ حزبُ البعث الذي غادَرَه عندما انتسَبَ إلى منظمةِ التحرير، ويصيرَ فيها اسماً فاعلاً في العملِ الفكريّ والثقافيّ والشعبي، معنياً بحمايةِ الوجدانِ الفلسطيني مما قد يَحيدُ به، لا سمحَ الله، عن الثوابتِ الوطنيةِ المؤكّدة، وفي مقدمتها حقُّ عودةِ اللاجئين الفلسطينيين. منذ أواسط الخمسينيات، وفي صفوفِ «البعث» أولاً، كان يواجهُ مشاريعَ التوطين، وكان يرى أنَّ نضالاً حقيقياً ينبغي أنْ يظلَّ ثابتاً لا يلينُ ولا يهادِنُ، من أجلِ تأكيدِ هذا الحقِّ وعدم المساومةِ بشأنِه. ومن المفارقاتِ أنَّه رحلَ في ‬29 نوفمبرالماضي، بينما كان في عمّان يستعدُّ للسفرِ إلى بيروت للمشاركةِ في مؤتمرِ الائتلافِ الفلسطيني لحقِّ العودة، وكان يحملُ مشروعاً لتوحيدِ الحركةِ العاملةِ في شأن هذا الحقِّ الخالد، بعد أنْ أصابَها عورٌ وتَشَتُّت. ومما له دلالتهُ أنَّ «فلسطين في حياة عبد الناصر» عنوانُ أحدثِ كتبِ الراحل الكبير.

ولدَ عبد الله الحوراني في ‬1934 في قريةِ المسميةِ في قطاع غزة، وشاركَ في التصدّي للاحتلالِ الإسرائيليِّ في ‬1956، وتمَّ إبعادُهُ عن موطنِهِ في ‬1963 بسبب نشاطِهِ السياسيِّ، فقدمَ إلى دبي ليعملَ فيها مدرساً حتى ‬1965، ثم استقرَّ في سوريا التي عملَ فيها مديراً لإذاعةِ فلسطين، ثمَّ مديرَ هيئةِ الإذاعة والتلفزيون السوري، ثم مديراً لمعهدِ الإعلامِ في دمشق، قبل أنْ يلتحقَ بمنظمةِ التحرير الفلسطينيةِ التي عملَ فيها مديراً عاماً لدائرةِ الإعلامِ والتوجيهِ القومي، وفي تلك الأثناء ساهمَ في إطلاق فرقة العاشقين (ما آخر أخبارِها؟). وأصبحَ عضواً في اللجنةِ التنفيذيةِ للمنظمة في ‬1948، وأسَّسَ في المنظمةِ الدائرةَ الثقافيةَ التي شهدت في عهدِه أزهى سنواتِ عطائِها. ويتذكَّر مثقفون فلسطينيون وعربٌ عملوا معه شعلةَ العطاءِ الثقافيِّ الحقّ التي كان عليها الراحل، في إسهامِهِ، مثلاً، في إصدارِ كتبٍ إبداعيةٍ وبحثيةٍ عديدةٍ. ولا نظنُّ أنَّ المؤسسةَ الفلسطينيةَ الرسميةَ في زمنِ حيويةِ منظمة التحرير، ثم في أَثناءِ السلطةِ الوطنيةِ الراهنة، عرفت فاعليَّةً في التنشيطِ الثقافيِّ والفكريِّ بالقدرِ الذي كانت عليه تلك الدائرةُ إبّان تولّي عبد الله الحوراني مسؤولياتِها. ومع بدءِ انحسارِ كلِّ فاعليةٍ فلسطينيةٍ رسميةٍ وفي غير شأن، ومع توقيعِ اتفاق أوسلو، أشْهَرَ معارضتَه الاتفاق في «بلاغ سياسي لمثقفٍ عربي»، واستقالَ من اللجنةِ التنفيذية، من غير أنْ يُغادِرَ مواقعَه في منظمةِ التحرير والمجلس الوطنيِّ فيها الذي يترأس دائرتَه السياسية. ويتذكَّر كاتبُ هذه السطور ندوةً شاركَ فيها الراحلُ مع آخرين، في عمّان، عن «أوسلو» بعد أيامٍ على توقيعِه، قالَ فيها ما قالَ بأسىً وحذاقة، وبغضبٍ أيضاً. ويتذكَّر أيضاً مصادفتَه بعدَها بأيام، في الطائرةِ من عمّان إلى تونس والرباط. عرَّفتُهُ بنفسي ودعاني بودّ لندردشَ قليلا، ثم كان كلامُنا عن ياسر عرفات و»أوسلو»، وعن أحوالِ العربِ وبعضِ شؤونٍ شخصيّة، كانت نبرتُه وديعةً ومزحاتُه لمّاحةً.

رحلَ «أبو منيف»، رحمه الله، بعد إسهامٍ فكريٍّ جادّ، وكان رائياً في مواقعِهِ في مسارِ الفعلِ الكفاحيِّ والوطنيِّ الفلسطيني. عكفَ في السنواتِ الأخيرةِ على البحثِ والدرس، وانخرطَ في عملٍ فلسطينيٍّ تعبويٍّ، في زمنٍ اهترأَ فيه كلُّ فعلٍ عام، لكنه نَشطَ في الدفاعِ عن حقِّ عودةِ اللاجئين، وفي جهودِ المصالحةِ بين حركتي «فتح» و»حماس». وفي إطلالاتِهِ الإعلامية، كان يُؤشِّرُ إلى البوصلةِ الصحّ والوجهةِ الغلط في الحالةِ الفلسطينيةِ الراهنةِ.. التعيسة.