لا وجودَ للقاعدةِ في مصرَ مشابهاً للذي في العراق واليمن وباكستان، غيرَ أنَّ أفكاراً قاعديَّةً غيرَ هيِّنةِ الخطورةِ، تشيعُ بين أوساطٍ متشدِّدةٍ فيها، تَبدّى بعضُها لدى الجماعاتِ الإسلاميةِ المسلحّةِ التي خاضت معها قوى الأمنِ المصريةِ مواجهاتٍ معلومةً في الثمانينات والتسعينات، وكانت جريمةُ قتلِ أزيدَ من ‬50 سائحاً أجنبياً أمامَ معبدِ حتشبسوت في الأقصر، واحدةً من أبشعِ ما اقترفته من إرهابٍ أسود. ولا مجازفةَ في القولِ إنَّ تلك الأفكار، في طورِها الذي يزدري الأقباطَ ولا ينظرُ إليهم بعينِ الإسلام الصحيح، حاضرةٌ وتتغذّى من احتقاناتٍ واحتكاكاتٍ ومشاجراتٍ طائفيةٍ مؤسفٌ أنها صارت روتينية، ولا تعدمُ لها أسباباً في القاهرة والصعيد والإسكندرية. ولأنَّ أجهزةَ الأمنِ المصريةِ هي المعنيةُ بالكشفِ عن قتلةِ المسيحيين أمام كنيسة القديسين في الإسكندرية مع تباشيرِ العام الجديد، يصيرُ الأوجبُ على أهلِ الإعلامِ والتعليمِ والتربيةِ والتثقيفِ، أن يلتفتوا إلى تلك البيئةِ الثقافيةِ والاجتماعيةِ التي تتصّفُ بالعمى، وكانت وراءَ قتلِ ستةِ أقباطٍ أمامَ كنيسةٍ في نجع حمادي في الصعيد في الأسبوعِ الأولِ من العام الذي انقضى. هي البيئةُ الحاضنةُ لمن يرونَ عدمَ جوازِ احتفالِ المسيحيين بعيد الميلاد المجيد في دولةٍ إسلامية، وأنَّ المسيحيةَ يجبُ أنْ تنتهيَ في مصر كما انتهت في بلادٍ أُخرى. وبين هؤلاء متعلمون ومشايخُ لهم جمهورُهم، يُحرِّضون على عدمِ التعاملِ مع الأقباط، ويقولون بعدمِ دخولِهم الجيش.

تتمُّ الجرائمُ ضدَّ المسيحيين العرب لصفتِهم هذه، ويجهرُ مرتكبوها بذلك. وتنشطُ «دولة العراق الإسلامية» في هذا السَّفه، وتسبقُ الجناةَ في الإسكندريةِ بساعاتٍ بمهاجمةِ ‬14 منزلاً لمسيحيين في بغداد وتقتل أربعةً منهم، وذكَّرتنا فعلتُها في كنيسةِ سيدةِ النجاة، قبل أسابيع، بالخوفِ المقيمِ لدى مسيحيي العراق منذ بدأ التوحُّشُ الكريهُ في هذا البلد عقب احتلالِه. وأعلنها التنظيمُ المذكور حرباً على المسيحيين، لأنَّهم خرجوا عن الذمة ولم يدخلوا الإسلام، وهذه بالضبط قناعةُ من يرون في مصر الأقباط هدفاً جائزاً، والمفزِعُ أنَّ هذا يحدُثُ في العراق ومصر، البلدان اللذان عرفا المسيحيّتيْن الأعرق في المنطقة. ومما له دلالتُهُ أنّ غزيّاً مسلماً قتل غزيّاً مسيحيّاً بدافعِ السرقة، قبل أسابيع، ثم قضت محكمةٌ في غزة بإعدامِه، إلا أنَّ بياناً أصدرتهُ، صباحَ جريمةِ سيدي بشر، «قاعدة الجهاد ـ أرض الرباط» استنكرَ الحكم، لأنَّه على «أحدِ الإخوةِ المسلمين لقتلِه صليبياً نصرانيّاً»، والمسيحيون في عُرفِ البيان «خرجوا على عقدِ الذّمّةِ مع المسلمين»، و«الحكمُ الجاري على أهلِ الكتابِ القتلُ أو الدخولُ في الإسلامِ أو البقاءُ في عهدِ الذمة».

يصدُر البيانُ المذكور في فلسطين، موطنِ المسيح عليه السلام، وتعلنُ «دولة العراق الإسلامية» استباحةَ حياةِ المسيحيين في البلد الذي طالما استعصى على محاولاتِ التفرقةِ بين بنيهِ متنوعي المذاهبِ والطوائفِ والمنابت، وتحدثُ جريمةُ أولِ ساعاتِ العام الجديد في المدينةِ التي ينتسبُ إلى كنيستِها كلُّ الأقباط الأرثوذكس في العالم، المدينةِ التي ساهمَ في بهائِها مهاجرون أقاموا فيها من كلِّ الطوائفِ والأديان، وأَعطوها سمتَها الاستثنائيَّ بين مدنِ الشرقِ على ساحل المتوسط. نُطلُّ على هذا التاريخ، ونرى الإسكندريةَ الراهنةَ معقلاً للسلفيةِ النَّشطة، والمتشدّدةِ منها، في مصر، ويتعزَّزُ للإخوان المسلمين فيها حضورٌ مشهود، وعرفت احتكاكاتٍ طائفيةً غيرَ قليلة. يأخذُنا المشهدُ إلى أحدثِ كتابٍ مصريٍّ جيدٍ عن العلاقةِ بين المسلمين والأقباط، يُخبرُنا مؤلفُهُ فكري أندراوس أنَّ هذه العلاقةَ مرَّت عبرَ العصورِ بأزماتٍ ومنعطفاتٍ صعبةٍ أحياناً وجيدةٍ أحياناً، ويُشدِّدُ على وجوبِ تحسينِ التعليم لبثِّ الإحساسِ بأنَّ الأقباطَ جزءٌ من نسيجِ الأمة، وليسوا أقليَّةً نزحت من الخارج. ونظنُّ أن مهمة أهل الإعلام التشديدُ على هاتِهِ المسألة، أمامَ طوفانِ التعصب والكراهية والطائفية في غيرِ بلدٍ عربي، قبلَ وبعدَ أنْ يُشْهٍرَ الأمنُ المصريُّ خيوطَ الجريمةِ الجديدة.