التغيير يأتي من اتجاهين لا ثالث لهما، إما من القاعدة أو من القمة، فإما أن تقوم السلطة الحاكمة من تلقاء نفسها بالتغيير، أو أن تهب القاعدة تطالب بالتغيير، وفي كلتا الحالتين يكون الرأي العام هو المحرك لعملية التغيير. وقد وسعت الطفرة التقنية في وسائل الاتصال، من أقمار صناعية وفضائيات وشبكة عنكبوتية إلكترونية تغطي العالم كله، بشكل كبير من أفق الوعي السياسي لدى الشعوب، لكنها في نفس الوقت قللت بشكل واضح من حركة وديناميكية هذه الشعوب، وذلك نتيجة السهولة الفائقة في الوصول إلى المعلومات ومعرفة الحقائق دون قيود ولا حواجز، وإنما من خلال لمسات صغيرة للغاية لبضعة أزرار لتشغيل جهاز التليفزيون أو الكمبيوتر. وقد يكون هذا في حد ذاته شيئا جيدا، كما يصوره البعض، خاصة وأن توسيع الأفق السياسي يساعد على تشكيل رأي عام لدى هذه الشعوب، ولكن الحقيقة أن تشكيل الرأي العام شيء وتوجيه هذا الرأي العام وتفعيله شيء آخر تماما، ويحتاج لوسائل مختلفة جذريا عن وسائل التشكيل، إنه بالضبط الفارق بين معرفة المشكلة من جهة، ومواجهة هذه المشكلة من أجل حلها من جهة أخرى.

لقد طلت علينا الفضائيات في منتصف التسعينات الماضية، قبل أن ينتشر استخدام الشبكة العنكبوتية أو الانترنت، ولعبت الفضائيات دورا كبيرا في تشكيل رأي عام عربي جديد لم يكن له وجود من قبل، وذلك من خلال كسرها للحواجز والقيود، وتبنيها حملات التغيير في المجتمعات العربية، وخاصة ضد بعض الأنظمة القابعة على أنفاس شعوبها لعقود طويلة، وتجمع الملايين حول شاشات التليفزيون يستمعون لقضاياهم تناقش بحرية تامة، دون حظر أو قيود من السلطة وأجهزتها، وشعر الناس بالرضى والراحة وهم يشاهدون على شاشات الفضائيات نجوم المعارضة ينتقدون ويهاجمون الأنظمة، وأحيانا يسبونها وينعتونها بأقسى الألفاظ، وبدورهم هرول نجوم المعارضة نحو هذه الفضائيات لتنقل أصواتهم للشعب وللأنظمة الحاكمة، وجاءت الشبكة العنكبوتية لتكمل الدور من خلال مواقعها غير الخاضعة لنفوذ السلطات الحاكمة، ومن هنا تشكل رأي عام شعبي واسع النطاق «يؤمن» بضرورة التغيير، ونقول «يؤمن» ولا نقول يسعى أو يطالب بالتغيير، والفارق كبير، فما قيمة الإيمان دون عمل؟

لقد جاء تشكيل الرأي العام هنا في غرف مغلقة، من خلال شاشات أجهزة صغيرة يجلس أمامها في المساء أفراد مسترخون، بعد عناء يوم عمل شاق ومشاكل كثيرة في حياتهم المعيشية اليومية، فجاءت لهم هذه الشاشات الصغيرة بما يزيد من هدوئهم واسترخائهم من خلال التنفيس عن الغضب الذي بداخلهم على المجتمع والأنظمة الحاكمة، فينامون هادئين ويستيقظون في الصباح مسرعين إلى أعمالهم، ليعودوا في المساء فيجلسون أمام الشاشات الصغيرة. وهكذا أصبح النظام اليومي لمعظم أفراد الشعب، وهكذا تشكل الرأي العام لدى الشعوب، لكنه بقي حبيس الغرف المغلقة، وهكذا أيضا تشكلت نخبة معارضة جديدة اقتصر تواصلها مع الجماهير على هذه الشاشات الصغيرة، واقتنعت المعارضة بهذه الوسيلة وأعجبتها كثيرا، لأنها تحقق لها النجومية والشهرة دون عناء يذكر، ودون حاجة للمخاطرة بمواجهة النظام والالتحام بقوات أمنه في الشوارع.. أما الأنظمة الحاكمة فقد كانت بالطبع المستفيد الأكبر من هذه العملية التي أزاحت عنها كابوس انفجار الشارع ضدها، هذا الكابوس الذي كان قبل ظهور الفضائيات والانترنت يؤرق هذه الأنظمة ويسبب لها الرعب ليل نهار، وكم من الأنظمة السابقة انهارت واغتيلت أو سقطت وهربت من بلادها بعائلاتها، بسبب الانفجار الشعبي في الشارع! أما الأنظمة الحالية فقد طال عمرها وزاد جبروتها وقمعها، وسيزداد أكثر طالما أن الرأي العام الذي يريد التغيير ما زال حبيس الغرف المغلقة، لا يجد من يفتح له الأبواب ويوجهه إلى التغيير.