ابتكرَ عنصريون في البرلمانِ الإسرائيليِّ (الكنيست)، قبل أيام، واحدةً من أعْجبِ الغرائبِ التي لا يمكنُ تصَوّرُ حدوثِها في دولةٍ طبيعية، فقد تمكَّنوا من تمريرِ مشروعِ قانونٍ، في قراءةٍ أولى، مُفصَّلٍ ضدَّ شخصٍ واحدٍ في العالم، هو الدكتور عزمي بشارة، بل وأصبحَ يحملُ اسمَه، وينصُّ على مصادرةِ الراتبِ التقاعديِّ لأيِّ عضوٍ في الكنيست مُتّهمٍ بــ«العلاقةِ مع جهاتٍ معاديةٍ، ومطلوبٍ للتحقيقِ الإسرائيليِّ ولا يمثلُ أمامه». ونالَ المشروعُ (يحتاجُ إلى قراءتيْن تاليتيْن ليصيرَ قانوناً) أغلبيةَ 23 عضواً في الكنيست، وصوَّتت عليه أحزابُ الائتلافِ الحاكم والمعارضة، وكان قد اقترحَه نوابٌ منهما، ما يُدلِّل على «الإجماع» الواسعِ في المجتمعِ الإسرائيليِّ ونُخبِهِ على اتباعِ أبشعِ السياساتِ العنصريةِ تجاه الفلسطينيين، سكانِ البلادِ الأصليين، ومن جديدِها، قبل أيام، إصدارُ خمسةِ حاخاماتٍ «فتوى» تحظُرُ بيعَ أو تأجيرَ شققٍ للفلسطينيين في إسرائيل. ومن مظاهرِ هذه السياساتِ الفاشيّةِ التمييزُ الحادثُ منذ عقودٍ في توفيرِ الخدماتِ في المدنِ والبلداتِ ذاتِ الأغلبيةِ العربية، وكذا فداحةُ التعاملِ العنصريِّ مع بدو النقب. وقد كشفَ استطلاعٌ حديثٌ أنَّ 55٪ من الجمهورِ الإسرائيليِّ يروْنَ أنّه ينبغي تخصيصُ مواردَ للسكانِ العرب، أقلَّ مما يتمّ تخصيصُه لليهود. وليس منسياً ما تلحُّ عليه العصابةُ الحاكمةُ في تل أبيب، برئاسةِ بنيامين نتانياهو، من اشتراطِ قبولِ الرئاسةِ الفلسطينيةِ «يهودية» إسرائيل.
استقالَ رئيسُ حزب التجمع الوطني الديمقراطي عزمي بشارة من عضويةِ الكنيست فورَ خروجه من فلسطين، عقبَ الاتهاماتِ المزعومةِ والخطيرة عن «تخابرِه» مع حزب الله، وتقديمِ معلوماتٍ عسكريةٍ وتجسّسيةٍ للحزب مقابل مئاتِ آلافِ الدولارات! وكان بادياً، أو مؤكداً على الأصحّ، أنَّ تدبيراً يتمُّ ضدَّ الرجل، يودي به إلى حبسٍ مديد، بعد نزعِ كلِّ اعتبارٍ سياسيٍّ له، وهو المثقفُ العربيُّ الذي برزَ فاعلاً سياسياً ووطنياً في فلسطين المحتلة 1948، وأطلقَ شعارَه الديمقراطيَّ أنْ تكونَ إسرائيلُ «دولةً لكلِّ مواطنيها»، ونشطَ في هذا الخصوص ومن أجلِ حقوقِ الشعبِ الفلسطيني، وعَمَدَ قبل سنواتٍ إلى ترشيحِ نفسِهِ لرئاسةِ حكومةِ إسرائيل، بهدفِ أن يُحْدِثَ ذلك صدىً خاصّاً بين الجمهورِ الإسرائيلي. ولأنَّ كلاماً شرّقَ وغرّبَ كثيراً، في نقاشاتِ إعلاميين ومثقفين عرب، بشأنِ خروجِ الدكتور عزمي بشارة من وطنِهِ، بعد تلك الافتراءات المضحكة، ينبغي التأمّلُ في الحضورِ الثقافيِّ والفكريِّ اللافت الذي أصبحَ له في العالم العربي، ونظنُّه شديدَ الإيجابيةِ في تنويرِ الرأي العام برؤىً واجتهاداتٍ نافعة، مع التنويهِ المهمِّ إلى أنَّ أهميةَ ما يطرحُه الدكتور عزمي، هي في مقاديرِ ما تثيرُه من نقاشٍ وتستثيرُه من إعمالٍ للذهنِ وتفكيرٍ فيها، وليس في تبنّيها المطلق كيفما اتفق.
أن لا يَنسى العنصريون في الكنيست عزمي بشارة، بعد أربعِ سنواتٍ على مكوثِه في «منفىً اضطراريٍّ»، يعني أنَّ شهوةَ الانتقامِ منه شديدةٌ فيهم، لما ظلَّ يُحْدِثَه من تهشيمٍ في المنظورِ المهيمنِ في الدولةِ العبرية، ولما أقامَهُ من تواصلٍ بين بني جلدتِه والمحيطِ العربي، وهو الذي كان يضعُ صورةَ جمال عبد الناصر في مكتبِه إبّانَ كان نائباً في البرلمان المذكور. ولأنَّه تمكَّنَ من حمايةِ نفسِه من تدبيرِهم ضدّه، يبتدعُ أولئك وأمثالُهم قانوناً يستهدِفَه، لمصادَرةِ حقوقٍ ماليةٍ له، ما يتناقضُ مع بديهيةِ أنَّ مدّخراتِ صندوقِ التقاعد ملكٌ شخصيٌّ للعاملِ أو الموظفِ أو المستخدَم، وليس لربِّ العملِ ولو كان الحكومة، فليسَ لأحدٍ أن يمسَّهُ أو يحجبُه. تطيحُ إسرائيلُ بهذه المسلَّمَة، وتخترعُ صيغةً غريبةً للتشريعِ في البرلمانات، فيما تنْسبُ لنفسِها صفةَ الدولةِ الديمقراطيةِ الوحيدةِ في المنطقة! ولذلك، يصبحُ «قانون عزمي بشارة» انكشافاً جديداً لإسرائيل أمامَ نفسِها، وليس لعارفي تكوينِها، والدكتور بشارة أحدُ أبرزِهم، وممن زادوا معرفتَنا بها في مناسباتٍ غيرِ قليلة، حماهُ الله ومتَّعَه بالصحةِ والعافية.