انطلقت المظاهرات في العديد من شوارع المدن الأوروبية خلال الأشهر الماضية، وشاهدنا في فرنسا مظاهرات شارك فيها مئات الآلاف وتجاوزت إحداها المليون، وأخرى في بريطانيا واليونان وأيرلندا وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، وما زالت هذه المظاهرات مستمرة حتى الآن وتهدد الحكومات والأنظمة الحاكمة بشكل جاد. والسبب وراء كل هذه المظاهرات واحد، وهو الاعتراض على سياسات التقشف التي تتبعها حكومات هذه الدول لمواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية، ترى ما هو التقشف الذي يتظاهر ضده الأوروبيون؟

 

أعتقد أن هذا التقشف لديهم لا يعني إطلاقاً الجوع وشد الأحزمة على البطون، بل ربما لا يزيد عن كونه حرمانا من بعض الممارسات التي اعتادها مواطنو هذه الدول، مثل من اعتاد على اصطحاب أسرته في عطلة نهاية الأسبوع للفسحة وتناول العشاء في المطاعم وارتياد المسارح أو السينما، هذه الأسر المسكينة سوف تضطر إلى تقليص فسحتها إلى مرتين أو ثلاث فقط بدلا من أربع، وقد تضطر الأسرة في ظل التقشف إلى عدم السفر للخارج لقضاء العطلة السنوية وتكتفي بقضائها داخل البلاد، وقد يضطرون لتقليص نفقات الأعياد إلى النصف، أو تضطر الحكومات إلى فرض ضرائب على بعض السلع والخدمات التي لا تمس بشكل مباشر صميم حياة الأسرة، مثل السجائر والخمور وصالات القمار والنوادي الليلية وتذاكر الطيران، وعمليات التجميل وتقويم الأسنان وما شابه ذلك.. مثل هذه الأشياء هي التي ستسري عليها سياسات التقشف الحكومية التي يرفضها الشارع الأوروبي ويتظاهر ضدها.

 

والحقيقة أنني لا أسخر من الأوروبيين عندما يتظاهرون من أجل هذه الأشياء، فالمواطن الأوروبي الذي يقدس العمل ويعرف تماما حقوقه وواجباته تجاه مجتمعه، معه الحق في رفض التنازل عن هذه الحقوق، على الأقل لأنه لا يعتبر نفسه المسؤول عن الأزمة المالية، ويطالب حكوماته بمعاقبة المسؤولين الحقيقيين عن الأزمة من الأثرياء.

 

لكنني أتساءل عن المواطن الأوروبي الذي يتمتع بكافة حقوقه في بلده، من تعليم جيد وتأمين صحي وضمانات اجتماعية على أعلى مستوى، ويتمتع بالمسكن الصحي وبالأمن وباحترام رجال الشرطة له وبالقضاء العادل، وبالحرية والديمقراطية الكاملة، وغير ذلك الكثير.. إذا كان هذا المواطن يتظاهر بهذه القوة رافضا التنازل عن جزء بسيط من حقوقه، فماذا يجب أن يفعل المواطن العربي في بعض بلداننا العربية التي يعاني أكثر من نصف الشعب فيها من الجوع الحقيقي وربما من الموت جوعا، ومن الأمراض والأوبئة والحرمان من العلاج والدواء، ومن عدم القدرة على تحمل نفقات التعليم متدني المستوى للغاية، ولا يملك المأوى ويعيش في مساكن غير صحية وعشوائية ويشرب مياها ملوثة ويأكل أطعمة فاسدة، ولا يعرف معنى الحرية ولا الديمقراطية، ولا يشعر بالأمن والأمان في وطنه.. مثل هذا المواطن، ماذا يجب عليه أن يفعل؟!

 

الشارع الأوروبي الذي انفجر في وجه حكوماته رافضا التنازل عن جزء بسيط من حقوقه، يختلف كثيراً عن الشارع العربي الذي لا يختلف في هدوئه وصمته عن المقابر التي لا يسكنها سوى الموتى! فهناك في أوروبا منظمات ومؤسسات مجتمع مدني ومعارضة وأحزاب حقيقية، مرتبطة بهذا الشارع وتدافع عن حقوق وقضايا الشعب بجدية، أما عندنا فما زال النظام الهرمي مقدسا وراسخا في وجداننا وثقافتنا، حيث الشعب في القاعدة بينما السلطة وأصحاب المال في القمة، وما بينهما نخبة تدعي أنها تمثل الشعب وتدافع عن قضاياه، بينما طموحاتها وأحلامها كلها شخصية مرتبطة بالقمة. وليس الفقر ولا المستوى الاقتصادي هو الفارق بيننا وبين الدول الأوروبية، فالدول العربية التي أقصدها هنا ليست فقيرة، بل هي أغنى من بعض الدول الأوروبية التي اندلعت فيها المظاهرات، لكن الفارق كبير جدا بين الشعوب، وبين الشوارع الحية والشوارع الميتة.