أعتقد أنه من المهم أن ندير حديثا في هذه الأيام والأيام المقبلة، عن ملامح التجربة الانتخابية الثانية في البلد، فالأمر ليس محطة موسمية وعبرنا من أمامها، وإنما الأمر دراسة وعناية واهتمام وتأمل وتفقه.. وإذا كان الفوز الكبير بالأمس الأول هو تحقيق القفزة الثانية في مرحلة التمكين السياسي، فإن الفوز الأكبر الذي حصدته الساحة، هو إعلان تأكيد القيادة على عزمها توسيع صلاحيات المجلس الوطني.
وتفعيل دوره، ودفعه لكي يكون مشاركا فاعلا في القرار، وكذلك مراقبا لأداء الحكومة. هذا الوعد يأتي من قيادة شفافة، عرفنا منها الفعل قبل القول، وهذا ما أعتقد أننا بحاجة لتحضير أنفسنا له. ولهذا فإن مراجعة المحطة الانتخابية التي مرت بنا وتمحصيها تمحيصا دقيقا، يعني أننا نثقف أنفسنا استعدادا لمرحلة قادمة..
كيف مرت الانتخابات؟ كيف كان أداء المترشحين وأداء المرشحين؟ كيف سار العمل في مقار الاقتراع؟ لماذا استطاع هذا العضو إنجاح حملته، ولماذا لم يفلح الآخر؟ صحيح أن المسألة هي قدرات وإمكانات وعزوة وقناعات، وأشياء كثيرة تدخل في هذه اللعبة التنافسية، لكنها أيضا تحتاج إلى فرز ودراسة.
فظواهر عديدة صاحبت الحملات الانتخابية، مفارقات وعجائب، هناك من حملها على محمل الجد، وهناك من كان واضحا أنه يأتي إليها كنوع من التغيير والبحث عن منصب شرفي. وكان أيضا واضحا أن هناك تفاوتات عميقة بين وعي المترشحين، بين من يعرف حدود ملعبه وبين من راح يتخبط ذات اليمين وذات الشمال، وهناك من خرج عن المدار وجاء بالعجب العجاب في برنامجه الانتخابي، لدرجة تندر البعض وقال: من هذا السوبرمان الذي يستطيع حل معضلات ما زالت تنوء بحملها الحكومة!
يجب تدارس الحالة وما أفرزته، وعلى البحاث وأهل الاختصاص أن يتحفونا بتحليلات لا تنقطع، فهناك شريحة واسعة يجب أن تفهم وأن تعي وأن تعلم. ومن الأسئلة، كيف فازت امرأة واحدة؟ وأين ذهبن الباقيات، ولماذا؟ ومن الأسئلة، هل حدثت ممارسات مخالفة في مقار الاقتراع؟
وماذا عن المترشحين الذين كانوا يستقبلون الداخلين بالهمس والتوصيات والترجي والتذكير بالأرقام؟ ماذا عن الأرقام والإحصائيات ونسب الإقبال على الترشيح؟ المناطق التي شهدت اكتظاظا، والمناطق التي توقع لها الاكتظاظ ولم يطلها، وتلك التي أفرزت اكتظاظا لم يكن متوقعا؟.. مقارنة المحطة الانتخابية الثانية بمحطة العام 2006.. نسبة المرأة ونسب المرشحين ونسب الترشيحات..
صحيح أن هذه الأرقام ليست مخفية وواضحة للعيان منذ اليوم الأول، وهذه شفافية تحسب للقائمين على الأمر، لكن ما نشير إليه، ونحن نستعد لمحطة ثالثة محمولة على وعد بقفزة نوعية تتوسع فيها صلاحيات الوطني ودوره، هو ضرورة بقاء الحديث مفتوحا في تدارس ما أفرزته انتخابات السبت، لأن ذلك يلقي المزيد من التنوير في سلة التمكين..