كيف تتمكن من الوصول إلى يوم هادئ جدا في أول الأسبوع أو منتصفه أو آخره، وطاحونة التوتر كأنها إيقاع طبيعي في هذه الأيام؟! تقول أبحاث علمية كثيرة لعلماء نفسانيين، إن إنسان العصر الحالي فقد كثيرا من حس الخيال، مع تحويله إلى رقم، وأصبح خاضعا لغول الاستهلاك. فأنت أقل ما يثيرك اليوم رسالة نصية قصيرة، قد تقلب مزاجك اليومي و"تعكنن عليك".. هذا أقل القليل.
لعل أقرب حيلة لديك هي أن تستند إلى أفاعيل سحر اليوغا، فالاسترخاء والتنفس العميق وتخليص العقل من أطنان الفكر، والدفع في اتجاه الانفصال عن الواقع عن طريق تغافله ولو للحظة، قد يكون الحل السحري المتوفر، وبلا فواتير.. هذه إجابة اعتيادية حاضرة دوما، وكثيرون صاروا ينصحون بها. لكن يبقى أمر الحصول على يوم هادئ لمن ليست له علاقة بفنون اليوغا، أمرا صعبا، ومن هم مثلي، الذين يكرهون الجلوس صامتين، وكأنهم تماثيل دون ثرثرة، فهو أمر يفوق الصعب كذلك.
فالحياة تمور بالمؤثرات، والمشاعر في حالة توتر واستثارة دائمة، ومن يقوى على مقاومة حصار الأخبار واستفزازاتها، لن يقوى على مقاومة الغث والهش من ثقافة السمع والبصر، ومن سيتحمل ضوضاء الاستهلاك، لن يهرب من ضغط الآلة الصغيرة السحرية التي تندس بين راحة يده أو تستقر في قاع جيبه، الموبايل، الذي يجعل الكرة الأرضية ومن عليها في قبضتنا، وبكل ما فيها من أهوال وأحوال..
لا مفر من هذا كله وأنت تبحث عن يوم هادئ، حتى وإن شعرت أن راتبك الشهري لا تتطارده متراكمات من مخالفات الرادار وسالك، ومتراكمات الكهرباء والماء، ومتراكمات من فواتير هواتفك الثابتة والمتحركة، والانترنت العادي أو الشامل أو اللايلايف، أو أنك تقاوم احتمال التبضع في سوق السلعة فيه لها ثلاث أو أربع تسعيرات مختلفة.. لا مفر من هذا التوتر حتى وإن كنت إنسانا نادرا، يقل وجوده مثلك، كونك لا تتكبل بحبال قرض شخصي، ولا أقساط سيارة أو بيت.. وأنك صاحب راتب حر، ليس وراءه طلاب ومطالبون.
التوتر سمة أيامنا هذه.. ومن ليس له في فن اليوغا، أو حيلة يحتالها على هذا التوتر، تجده قد يعتمد مبدأ "طنش تعش"، وهي حيلة دفاعية، تحاول بها النفس كف الشرور والضغوط عنها.. يلجأ إليها الإنسان أحيانا مختارا، وأحيانا يدفعه احتياجه الداخلي، ودون إرادة، نحوها.. وبعضنا يعتمد هذا المبدأ في نواح من حياته، ويلغيه في جانب آخر.. فنحن حيال ما يدور حولنا؛ "نطنش" أشياء ونلتفت إلى أشياء، وما قد نقابله بالتطنيش قد يكون هاما وضروريا لنا، كضرورة التنفس، وما نلتفت إليه قد يكون في كثير من الأحيان، تافها وليست له حاجة ماسة.. فكم من الأمور نقابلها بالتطنيش؟ وكم من الأمور الهامشية يأخذ منا جل اهتماماتنا؟