هذا الزخم الذي يستضيف الإبداع الإنساني بمختلف مشاربه وأسمائه اللامعة وببانوراميته العالمية والإقليمية يستحق فعلا دائرة ضوء واسعة تستطيع استيعابه، فعدا الصحافة المقروءة واليومية التي تتابع هذه الأحداث، تبدو هناك تغطيات تلفزيونية مقتضبة، وسريعة، تكتفي بتوثيق الانطلاقات، وربما شيئا من مسايرة النشاط المتناثر، وهذا جيد ونشاط إعلامي وجهد يمكن توجيه الشكر إليه، لكن ماذا لو تم استثمار هذا التفاعل، وهذا النشاط، وهذه الحياة الإبداعية بصورة تفصيلية؟ ألن نحصل على ساعات بث مطولة؟ ألا يغري هذا على وجود برامج وحوارات ونوافذ في الإعلام المرئي ذات ثقل ثقافي وفكري وفني وإبداعي مفيد ويستحق المتابعة والتأمل؟ ألا يفتح هذا على قيمة في المحتوى الإعلامي المرئي؟
نسأل هذه الأسئلة، وهي أسئلة أولية، يفترض أننا تجاوزناها للأهم والأدق والأكثر تفصيلا؟ نسأل لشعورنا أن هذه الجهود وتلك القيمة التي تبديها هذه الملتقيات الإبداعية المهمة ما زالت على هامش الاهتمام، أو أنها تضيع في معمعة الاهتمام بالعادي من الأخبار، ومن المادة الإعلامية المرئية المتكررة.. إذ لا يمكن أن يكون البث اليومي متكئا على مفردات ثابتة لا تتحرك ولا تتماوج ولا تتفاعل مع التفاعل والحراك اليومي للمشهد الاجتماعي.
إلى متى ستبقى مقولة إن الثقافة مصيرها الهامش؟ هي الحكم النهائي على هذا التفاعل الحي، الذي لا يمكن حجبه ولا إلغاؤه ولا حتى نكرانه؟ إلى متى سنبقى نقول إن القابض على الثقافة كالقابض على هلام؟ إلى متى لن يتمكن المثقف النوعي أو المبدع النوعي من اخذ مساحته في دائرة الضوء الإعلامية، مثلما تأخذ ويأخذ نجمات ونجوم الفيديو كليب وغيرهم من نجوم الدراما؟ هل لأن هناك اختلافا في درجات استخدام مساحيق التجميل. وجه المفكر أو المثقف النوعي قد لا يكون في مستوى (الفوتوجينيك) الذي تبحث عنه كاميرا التلفزيون؟ لكنه في المقابل يمتلك جمال عقله وروحه ومشروعه الإنساني.
ومثلما يحتاج الجمهور للغناء والترفيه، يحتاج أيضا لقلق الأسئلة وانتماءات المخيلة إلى تشظياتها المطلقة.. إنها الحالة الإنسانية التي يجب أن نقبلها ونؤمن بها حينما نقترب من الجمال، أيا كان أشكال هذا الجمال.
في الفضاء الإعلامي المرئي.. قد يسمح بساعة كاملة من البث لحلقة درامية سطحية، لكن لا يسمح لأكثر من 10 دقائق لمفكر أو مبدع مغاير ومختلف؟ هذا يحدث فقط تحت عنوان (ثقافة).