متى يصبح العربي رقما مهما؟ سنقول عندما تصبح له كرامة مثل باقي الناس، هذه الإجابة البديهية التي ستتبادر وبلا شك سواء من مهتم نخبوي عربي أو من قبل عربي يعيش على هامش الحياة.

في أزمة النازحين من أتون النار في ليبيا، جنسيات من كل صوب وحدب، مواطنون لدول عديدة، فيهم الفايف ستار وفيهم الوسط وفيهم من دون ستار، ومعروف منهم.. مفوضية اللاجئين الدولية التابعة للأمم المتحدة، تصف أوضاع هؤلاء الهاربين من رصاص الموت في شوارع وحواري المدن الليبية، بأنها أوضاع كارثية ومهددة بأن تصل إلى ما هو أسوأ من ذلك. التوانسة وهم في مركبهم الذي لم يستقر على حال حتى اليوم، ومشغولون بترتيب البيت بعد جحيم صراعهم مع السلطة السابقة، وجدوا أنفسهم في ورطة. يحاولون بما أوتوا من حيلة عمل أي شيء للمساعدة.

الدول التي ترى في كرامة مواطنيها عزها ومجدها أخرجت رعاياها بصورة عاجلة وبعضها بصورة سوبرمانية، كما فعلت بريطانيا التي أرسلت طائرتين حطتا، كما يقال خفية في مكان ما في ليبيا وأقلعتا برعاياها..احتال البريطانيون لإخراج البريطانيين، فيما تصرفت بلدان أخرى، لكن البلدان التي تصرفت بأسلوب (الفايف ستار) في نقل رعاياها، هي التي أظهرت تقديرا كبيرا واهتماما بالغا بسلامة مواطنيها، فيما تدرج الاهتمام بعد ذلك إلى الأقل فالأقل بحسب قيمة الإنسان في عقيدتها السياسية والإدارية والإنسانية أيضا. لكن تسأل لماذا يصرخ عربي هناك، وهو يبحث عن دابة تنتشله من الجحيم، وتقيه النوم في العراء، والعناء جوعا وعطشا واعتلالا صحيا، بلا مغيث ولا معين؟ تجد أن سؤالك لا يصطدم إلا بالحقيقة ذاتها. الحقيقة التي لا مفر من اعتناقها واعتقادها..الحقيقة المرة التي يحرق ضوؤها جدران الصدر حرقا مميتا.. هذا العربي رقم سهل!

أي جحيم هذا الذي يعيشه أولئك المتقطعة بهم السبل هناك على الحدود حيث تأتيهم الإغاثة من دول أجنبية؟ أي جحيم إذا ما زاغت الأبصار وحاصر الشتات والمصير المجهول أبا، أو أما وأبناء؟ لا شيء يبرر تأخر نجدة هذا العربي مطلقا. ولا شيء يمنع ولا تنعدم الوسائل. إنما ما ينعدم هو الشعور بهذا الإنسان، ان قيمته فوق أي حجة، أو عذر قبيح.

هذا الواقع يعطي ملمحا فيما يعانيه العربي، وما يستشعره في ميزان القيمة، قيمته عند ناسه وأهله، بلده ومجتمعه، السلطة التي تركب فوق رأسه، تأخذ حقوقها منه حتى تجف فيه شرايين الكرامة، ولا تعطيه ولو ثمنا بخسا يرفع قيمته ولو كرقم في تعداد السكان.. هذا الواقع، هو المرارة التي بلعها العربي وتصيبه بالغصة، تسد قصبته الهوائية وتخنقه على الدوام.. العربي على الحدود هو الرقم الأصغر، هو المعدن الأقل قيمة. أية حدود، ليس شرطا أن تكون حدودا جغرافية. هو على الدوام كذلك في الميزان الذي فقد إبرة اتزانه!