فعل الرج الذي يتعرض له الساكن العربي اليوم، لا يكشف المزيد من البؤس والتخلف والجبروت والوحشية فقط، ولكنه يكشف أيضا عن مزيد من الكذب والكذابين، الغريب أن هذا الكذب في هويته، ليس كذب أذكياء وحيل بارعين، بل كذب لا ينم إلا عن غباء. احدهم علق على الأمر وقال: هؤلاء الذين كنا نرسم لهم هالات كهالات القديسين.. كم يبدون اليوم عراة أمام ارتجاج الساكن. وتساءل: لماذا يحتاجون إلى الكذب طالما أنهم في وضع الأباطرة؟ صديق غاوي كورة ليل نهار، لدرجة انك تشعر أمامه وهو يثرثر عمن غلب وخسر انه كورة لها عينان وفم، منذ فترة تبدل حال صاحبنا وما عدنا نراه يشبه الكورة، صاحبنا غير الموجة وجذبه انشغال جديد.. فهذه الأيام تكثر على هواتف البلاك بيري صور من زعماء سقطوا وآخرون يترنحون فعل ما فعل بها من تلاعب عبر الفوتوشوب وصارت مدعاة للتسلية والضحك.. وصاحبنا أبو الكورة يبدو انه (شاتها) بعيداً وأصابته حمى ميادين التحرير.. يستقبل صورا معدلة ويرسل صورا أخرى ويعيش حالة من هستيريا الضحك الذي لم يشعر بها منذ ولادته.
الغريب انه بالرغم من كثرة الحملات التي يشنها رجال دين، ومثقفون جادون، وإعلاميون حريصون من سنوات ضد الإذاعات والفضائيات المتخصصة في بث الأغاني والفيديو كليب الهابطة وضد مالكيها من اجل حماية الشباب وأذواقهم السمعية والبصرية، فان تلك الحملات ومنذ سنين طويلة لم تستطع فعل شيء يذكر، بل على العكس اتسع نطاق هذه المحطات والإذاعات وراجت وصارت تدر الملايين على أصحابها معتمدة على تخريب الذوق الفني.. والغريب حقا، أن رج الساكن هو الذي جعل من عودة الأغنيات الوطنية والجادة يزيح عن السطح كل ذلك الغث، هكذا ببساطة، دون الحاجة لحناجر تشد أوتارها الصوتية، قفزت أغنية أم كلثوم أنا الشعب.. أنا الشعب، وصارت رتما يتغنى به الفرد وهو يقوم بأعماله وأنشطته اليومية. الرئيس اليمني قال بالأمس: إن غرفة عمليات يديرها الأمريكان والإسرائيليون في إسرائيل وان هذه الغرفة هي التي تدير انتفاضة الشباب في الوطن العربي.!! الانتفاضات كانت ضد انعدام الحرية والكرامة.
طارق الطيب محمد البوعزيزي هو اسم مفجر ثورة الياسمين في تونس ومن بعدها توالت الانتفاضات.. كتب لأمه باللهجة التونسية على الفيسبوك قبل أن يحرق نفسه قهرا على الذل والمهانة : (مسافر يا أمي، سامحيني، ما يفيد ملام، ضايع في طريق ما هو بإيديا، سامحيني إن كان عصيت كلام لأمي، لومي على الزمان ما تلومي عليّ، رايح من غير رجوع، يزي ما بكيت وما سالت من عيني دموع، ما عاد يفيد ملام على زمان غدّار في بلاد الناس، أنا عييت ومشى من بالي كل اللي راح، مسافر ونسأل زعمة السفر باش ينسّي محمد بو عزيزي).