ما يحدث الآن من انتفاضات شعبية في أرجاء الوطن العربي، ليس مرده أن الأبناء قد تعلموا استخدام الانترنت والفيسبوك وتويتر، وأنهم اكتشفوا ضالتهم في الرسائل القصيرة والاستخدامات المذهلة للبلاك بيري.. ليست هذه انتفاضات بفعل التقدم في تكنولوجيا الاتصال والتواصل، ومن يؤرخ لها باعتبارها ظاهرة محصورة في الاستفادة من عضلات هذه التكنولوجيا، فإنه يغالط نفسه ويغالط التاريخ.

الأمر ببساطة أن التاريخ تقدم، وأن الشعوب وأجيالها الشابة قد استطاعت أن تتماهى مع التقدم في حقوق الإنسان، وأن الثقافة رغم أنها منكسة الرأس في أوطاننا العربية، وأهل الفكر يلقون عنوة على هامش الحراك المجتمعي، إلا أنها تسربت إلى العقول.. هذه واحدة، والثانية أن بعض الأنظمة الحاكمة والمسيطرة هي التي تخلفت عن ركب المعرفة، وهي التي حبست نفسها خلف أسوار التسلط والتحجر.

وأن الحاكم بأمره ما زال يعيش نظريات بائدة في مفهوم القيادة والتعامل مع شعبه. ما زال يعتقد أن العصا الكهربائية التي تشل الحركة وتصعق، هي عصا الساحر في جعل أفراد شعبه يسيرون على الصراط المستقيم، وينكسون الرؤوس بصمت إذا ما مر من أمامهم، ويكتمون الصرخات إذا ما داس على أضلعهم، ما زال مثل هذا القائد المتخلف عن الركب، يعتقد أن العسكر ملك طوعه، وحاشيته، وجنده الذي يستطيع بأمره الأوحد أن يسلطهم على من شاء.. حدث الفارق..

فاليوم تتكشف الحقائق في بلدان منّ الله عليها بالخير الوفير، لكن ثروات هذا الخير تذهب في جيب المتحكم والمتجبر والمتسلط وسارق الحقوق والآمر بأمره، فيما يرى الشعب نفسه يعيش جوع الكرامة وعطش الحرية.. الفارق البسيط، فارق أدق من سمك الشعرة، حيث غاب الوعي عن هذا المتسلط وجرت أنهر الوعي ذاته في ميادين وأحياء الشعب.

ومن غباء الحاكم المتسلط، ولأنه يعيش في جحره معزولاً عن سيل الوعي، أنه اعتقد أن الذين أجبرهم الفقر على افتراش الأرصفة والتحاف السماء، معزولين مثله، وغفل عن أن سيل الوعي لا يجري إلا خارج الجحور، هناك في المساحات المتناهية تماماً مع الحرية ومع اتساع الكرامة، وأن الأرصفة الفقيرة بوحلها، لا تصد هذا السيل، بل تستقبله. تغافل عن أن الأسوار قد سقطت، وأن العالم كله أصبح في كف أبسط الجياع والفقراء والمظلومين، وأن ظلام السجون، وساحات القتل والتصفيات في السراديب العفنة، ما عادت بعيدة عن الأعين ولا عن الانكشاف.

أزمة الآمرين المستبدين والمتسلطين على الكرامة وعلى الحقوق، وسارقي الثروات الذين يواجهون اليوم ثورات شعوبهم، ويواجهون ضربات تهز عروشهم، أنهم تخلفوا كثيراً، وهم يكبلون عقولهم بنظريات وأساليب سطوة عفا عليها الدهر.. إنه الزمن الذي يجب أن يسقط فيه مفهوم العصا الكهربائية في ضبط الصراط المستقيم.