بحسب تقارير التنمية والأبحاث حول العالم العربي، فإن البطالة بين صفوف الشباب في ازدياد والعام ‬2020 قد يشهد وجود ‬19 مليون شاب عربي عاطل عن العمل، بينهم نسبة كبيرة من الشابات. هذا واحد من التقارير المجاورة لتقارير أخرى تتحدث عن نسب الأمية المذهلة والمخيفة، ونسب الذين يعيشون تحت خط الفقر من العرب.

في السنوات الأولى للدراسة ترسم المناهج الدراسية العربية حلما ورديا للوطن العربي، في ثرواته الطبيعية وأرضه الخصبة، وما تحتها من كنوز، في تلك المرحلة كان المعلم يرسم على السبورة الخارطة ويوزع عليها رموزا صغيرة، يحكي لتلاميذه عن الخيرات التي من الله بها على هذه البقعة من العالم، ويطلب المدرس من تلاميذه أن يحفظوا ما تتميز به كل دولة عربية على حدة من الثروات الطبيعية.. تطير العقول الصغيرة وتجنح مع الأحلام الوردية، وحينما تزداد خفقات القلوب الصغيرة نتيجة الفرح والطمأنينة، كانت عيون المدرس ترسل نظرا محملا بموجات الفخر والإعجاب. يذهب مدرس الجغرافيا ويأتي بعده مدرس التاريخ، ليحكي القصص المطولة عن الحضارة والفتوحات، فتغدو الخيالات بالتلاميذ على صهوات أحصنة جامحة.. يخرج مدرس التاريخ ليستلم معلم اللغة العربية تلك الجماجم الصغيرة، فتتحول الحروف إلى سفن صالحة للإبحار في المحيطات البعيدة.. أنا العربي.. العربي.. شعر خليل مطران، إيليا أبو ماضي، شوقي، الشابي، إبراهيم طوقان.. في المناسبات الوطنية تعودت محطات التلفزة العربية على بث أفلام مطولة عن النهوض الذي أصاب الحياة في الوطن الكبير، تنمية بشرية، تعليم، صحة، طعام وبطولات في الاستقرار والأمن وتوفير الخبز.

في الفوران الذي يغلي الآن في الشارع العربي.. يحكي المواطن العربي عن جوع وعن عطش وعن بطش، كلمات شكوى مرة وحارقة حد القتل، تلتوي حروف الشكوى فيها بالغصة المشتعلة في الصدور. كل هذه الجغرافيا السمينة في الذاكرة، لا تكفي لصنع رغيف يسد الرمق ويؤسس لحلم وردي صغير.

من أضاع كتاب الجغرافيا القديم؟ من سرق الأشجار من صفحاته؟ أين الذهب المدفون تحت حروف الدرس؟ تهب رياح مرحلة، فيها من الاستحقاقات الكثير، وحول أسئلة صريحة مثل هذه.. فالجيل الذي تغذت روحه من علف الذاكرة، يتعكز انكساراته، وبدأ جيل يجوب الشوارع بحثا عن حقائق ماثلة.

في التقارير الحديثة عن مقدرات الوطن العربي وثرواته، لم يذكر أن الأشجار قد اقتلعت من كتاب الجغرافيا، فرغيف الخبز موجود، وإنما كيف تمتد إليه اليد دون أن تمتهن في كرامتها!