حينما تؤسس الانتفاضات واقعها الأرض، في تلك اللحظات تصبح سيلا هادرا لا تسكن فيه المياه ولا تركد ولا يمكن القبض عليها، لكن حالما تهدأ وتتبلور واقعا ثابتا على الأرض ولا تعود ديناميكية فاعلة على ارض الواقع، وتذهب شيئا فشيئا إلى التاريخ تتحول إلى صفحات قابلة للطي والتقليب والقص واللزق، وأحيانا تمتد إليها الأيادي الخبيثة تتسرب بين كلماتها وحروفها، فتحرف وتزيف، وأحيانا تتفاعل الأسطر نفس الفعل ذاته، من باب الحب الأعمى، وبعد فترة لا يتراكم في تلك الصفحات التي سجلت ذلك الواقع إلا ركاما خليطا مما هو حقيقي ومما هو مضاف، ومما هو مؤطر فتضيع الملامح الحقيقية للحظة الأولى الصادقة.. هذا الشأن هو نفسه الذي نفسره حينما نقلب التاريخ العربي ونبدأ في البحث عن حقائقه وتلك التي أبدعها الرواة، والمزايدون والمغالون ومن بعد ذلك يضاف إليه الركام الكلامي ليختلط الحابل بالنابل، فتتبدل صور مكان صور، وأرقام مكان أرقام وجمل تزاحم جمل.. فالتاريخ العربي اليوم وحينما يضطر احد الباحثين عن تفاصيل دقيقة يهرب إلى المرجع الأجنبي تجنبا للركام الهائل الذي يصادفه في الأرشيف العربي. وهذا أمر مؤسف، وهو ما اعتقد انه شوه الحقائق أو صعب الوصول إليها.

الثورة المصرية التي اتصفت بصفة الشبابية، وركب صهوة جوادها جيل الفيس بوك، خرجت بعد إرهاصات ومحاولات عديدة بدأت من قبل أربع سنوات، حينما كانت تطوف الشوارع فئات قليلة من الشبان يطرقون على أوان الطبخ ويصفرون عبر صفارات متنوعة الأصوات ويحملون القليل من اليافطات يطالبون بوقف التعذيب في السجون، وينبهون من حولهم إلى خطأ بدأ يستفحل ولابد من علاجه، لم يكن سقف المطالب عاليا، والذي أوصل الأمر إلى ما هو عليه من إقالة النظام السياسي الحاكم.

اليوم يتفنن الرواة والمحللون في قراءة أسرار وسراديب الثورة ويحيل العقل العربي الذي انغمس في حديث الكواليس والموارب من الكلام الآمر كله إلى مؤامرة، وان هذا الذي حدث لم يكن إلا مخطط مبرمج فيه جزء يسير من الداخل وجزء كبير من الخارج، وان هذه المؤامرة الكبرى لن تأتي إلا بمزيد من السوء.. هذا الكلام الذي ينتشر وينتثر اليوم عبر الصحافة العربية، بالذات، لا يكشف إلا عن عجز كبير في القراءة والاستشفاف والتأويل.

فما هو واضح أن ثورة شباب الفيس البوك، لم تنبت نبتا شيطانيا، ولم تكن وليدة لحظة، ولكن نتجت عن فوران دم دام لسنوات، ووثق الشباب تفاصيل هذا الفوران عبر مئات من الأفلام التوثيقية المسجلة. وما حدث يوم جمعة الغضب، هو أن الذين ساروا في الشوارع وواجهوا رصاص القنص بصدورهم لم يحملوا سرا خطيرا في صدورهم ولا نية مؤامراتية مبيتة، هم أعلوا كرامتهم وأحبوا وطنهم فوجدوا أنفسهم بصدور مكشوفة في الشارع. هذا هو .. فقط لا غير.