كلنا كان وما زال يقول.. لو عادت مصر التي نعرفها لتغير حالنا العربي..اليوم لا يمكن ان يدير العربي وجهه عن المشهد في مصر الكنانة حتى وان انفض سامر الثورة والثوار عن ميدان التحرير والذي ستبقى نهاراته ولياليه الماضية محفورة في ذاكرة الأجيال المقبلة، مثلما عاشت وتعيش الثورات التاريخية السابقة. لا يمكن ان يمضي العربي عن المشهد المصري، حتى وان بدت تشرق شمس مختلفة هناك.

بالأمس وبحكم الاندهاش والانشداد ومتابعة تداعيات الفرح والنور الأتي من ارض الكنانة، قلبت الفضائيات المصرية واحدة واحدة وتسمرت أمامها لساعات، اختلف الحال كثيرا، حوارات جادة وهموم وطنية، وأغان تستعيد أيام المجد العربي، مثقفون وعلماء استشاريون وخبراء، نقاشات حرة وقيمة، صدق كبير يندر اليوم في قنوات الفضاء المعلقة فوق رؤوسنا..حديث إعلامي نظيف. تقلب القناة تلو القناة، زخم كبير من المقابلات التي تحلل وتؤرخ للمنعطف التاريخي، وجوه تعود إلى الفضاء الإعلامي المصري بعد غياب طويل..في برنامج الإعلامي محمود سعد (مصر النهارده) بالأمس كانت استضافة العالم المصري وصاحب نوبل احمد زويل استضافة استثنائية حيث طل على العالم العربي من قناة بلاده بعد انقطاع طويل عن هذه المحطة..

صوت مصري آخر يأتي من أميركا يتحدث بنبرة يحتدم فيها الفرح والوطن، يأتي من بعيد يقدم الشكر للثورة والثوار الشباب لأنهم أتاحوا له الفرصة ليتحدث عبر ميكرفون مصري، ويطل من نافذة إعلام بلاده بحرية.. برنامج يستضيف مجموعة من الشباب يتحدثون عن رؤاهم وأحلامهم تجاه وطنهم.. قال كثير من المصريين (كنا بنحلم نتكلم كده في محطاتنا التلفزيونية).. فاصل بين الفقرات تصدح أم كلثوم بأروع أغانيها الوطنية، فاصل آخر يغني عبد الحليم (وطني حبيبي وطني الأكبر يوم ورا يوم أمجاده بتكبر وانتصاراته ماليه حياته وطني بيكبر وبيتحرر).

(الإحساس بالذات)، هذا اعتراف كثير من الأصوات المصرية التي التقطتها عدسات البرامج التي تجوب شوارع المحروسة، الإحساس بالذات، مصطلح تكرر على لسان أكثر من مثقف ومفكر وعالم..(مصر اليوم غير) وتفاصيل كثيرة حينما تقلب القنوات الفضائية المصرية، وتتبع الأحاديث الطويلة والانشغالات الفكرية والوطنية التي يعشيها المصريون اليوم..تغير الغناء، هناك إشراقة مختلفة وشديدة الاختلاف فوق جباه أبناء النيل.

ويبدو انه وبعد اليوم لن يتمكن العربي الحريص أن يشيح وجهه عن ارتدادات هذه الثورة الخاطفة وما ستخلفه من متغيرات في مياه الشرق الراكدة..هناك روح مختلفة، هناك خطاب على مستوى عال من الثقافة يقود السياقات الحاضرة إلى مساريبها التي تاهت عنها. فهذه الأيام تتراجع قضايا وضرورات ملحة في انشغالات الإعلام العربي من اجل متابعة تأثيرات انعكاس الشمس الجديدة على الجباه المغتسلة بماء النيل.. ولا اعتقد أننا بسهولة سنغير الوجهة بعد اليوم أو أن نشيح بوجوهنا عن تلك الزاوية المفصلية في التاريخ العربي المعاصر، حتى ولو ظن البعض اليائس أن الظروف غير الظروف والمواعيد غير المواعيد وتصدعت مسلمات كان لها أن تبقى.