بغض النظر عن التفاصيل في ليل النيل وكوابيسه.. بغض النظر عن الألم الذي دام لعقود، وعن الفرح الذي تفجر ولوّن الأزقة فجأة.. بغض النظر عن صعوبة الولادة القيصرية.. تبقى مصر القلعة المنيعة والحصن المنيع، ولأنها تعود اليوم في روح الثورة، ولأن الرهان عليها لم يتوقف يوما في صدور الملايين من العرب، وجد الصادقون مع مصر أنفسهم في زحمة الفرح، وكأننا نسرق مصر من المصريين.. فرح أناني، وعارم، لأنها عادت من سجن الحلم المؤجل، ولأنها عادت تكتب التاريخ.

من هذه الحقيقة تصبح ثورة مصر ثورة عربية، مثلما كانت ثوراتها السابقة، تلك التي عايشنا بعضها القريب ودرسنا في كراريسنا المدرسية بعضها الذي لم نتزامن معه. ليست ثورة المصريين وحدهم، أن نقول إنها ثورتنا، لا نستعيرها، بل نشترك فيها، هكذا بحكم الإرث وشريعة أحلام الأمة العربية.. الأحلام التي وئدت في صدورنا عنوة وقسرا.

اليوم كل عربي يتجرع فرح المصريين، كل عربي يأمل كما يأمل المصريون في مصر فتية، معافاة من تكلسات الزمان وقيوده، مصر تعيد الحياة إلى المشهد العربي، تعيد بوصلة الفكر والدور الريادي في تفاصيل المشهد العربي.. هكذا هي البوصلة، كان مؤشرها منذ عقود من الزمن، كما عرفها آباؤنا حينما كانوا يهربون المجلات والمقالات الأولى في درس النهوض وخلع عباءة الخنوع، حينما كان آباؤنا يلتفون حول مذياع صغير ينصتون لصوت الضمير العربي الآتي من ضفاف النيل. مصر التي تتموضع الآن في مكانها الأصيل، تفتح الشهية على زمان مختلف ينفض غبار الأيام السابقة، ولهذا يعترينا الفرح الذي لا نستطيع مقاومته، وتجتاحنا العاطفة اجتياحا عارما من المحيط إلى الخليج.

ليسمح لنا المصريون أن نتقاسم معهم هذه العاصفة العاطفية، ليسمحوا لنا أن نحلم ونتأمل في سماء تلك الصحوة التي لا بد لها وأن تشرق في الفضاء العربي.. حلم مصر الحرية، مصر الأصالة، مصر الريادة في شتى الميادين، ليسمحوا لنا أن نستلهم من ثورتهم السلمية المسالمة على الفساد والظلم والقمع، ذلك الالتصاق العميق بالأرض، ليسمحوا لنا أن نرفع رؤوسنا بها في الشارع العربي المأزوم بالخيبات. فمصر السند عادت، وصوتها عاد، وحقيقتها الأصيلة عادت، وأناسها الحقيقيون كتبة التاريخ عادوا..

ستسيطر علينا العاطفة ونحن نحتفي بمصر التي تشرق عليها شمس التجديد والحرية، وسندبج مقطوعات الكلام، مثلما يغني شبابها وثوارها ويرقص الفلاحون والعمال في ميادينها وعلى ضفاف نيلها اليوم.. «يا مصر قومي وشدي الحيل كل اللي تتمنيه عندي».. ستتقدم العاطفة اليوم، لأن الفرح عاطفي في الأصل، ولأن هذا الحلم حلم كل عربي يدرك ماذا يعني أن تكتب مصر التاريخ.