حنين في الخزائن

ت + ت - الحجم الطبيعي

لدى كلّ منا شوق يفيض عن الشوق، لهوايات الطفولة والصبا، لن يعيدها لأنها باتت في خزائن الذكريات التي أوصدها التاريخ.. هوايات زاخرة بالحياة والابتسامة الرقراقة، كمياه نبع في أواخر الربيع.

أغبطني لأنني مارست تلك الألعاب »الخطرة«، قبل أن تجتاح التكنولوجيا معالم الحياة ، ولم أجد من يرفع سوطاً عليّ أو يصفعني على وجهي.

كانت الحرية على هواها، تسير مع جموح الفتية المتوغلين في الكهوف والأحراش الكثيفة، والصاعدين إلى التلال بين أشواك القندول ذات اللسعات اللذيذة على السيقان.

من هواياتي التي انقرضت في الساحات والحواري وميادين البرية، قطف نبات »الحمّيضة« من تحت أشجار الزيتون، والصعتر الأخضر المتسلل من بين كثافة البلان، يفوح بروائحه على الأقحوان والبيلسان.

لعبة الطفولة البريئة تحت أشجار الحديقة، وفي الخيمة التي تحتضن »التنور«، وبيت نار خبز الصاج والمناقيش بالجبنة والصعتر البلدي.

هناك، حيث مهد الهوايات الأولى، لم نعد نرى كبار السن الذين يجلسون في عصاري القرى، وهم يتبادلون أحاديث الزرع والحصاد، وهموم العيش البسيطة، بينما نروح نتباهى أمامهم بركوب السيارات الخشبية على الإسفلت الخالي، ونتسابق في تفوير قناني المرطبات الغازية.

ولم يعد بإمكاننا أن نشاغب بحرية في الاستراحة الصباحية أو في الصفوف.. كانت الطيبة من علامات ذلك الزمان، والتسامح كان سيد الأحكام في غالب الأحيان. ويبدو أن العلامات الجيدة بعد الامتحان، كانت تغفر لنا طيشنا الجميل.

لكن أجمل الهوايات الخطرة، نومنا على الإسفلت في الليالي المقمرة، ثم ننجو بأنفسنا بعد سماعنا بوق سيارة عابرة، لأمر جلل، من القرية المجاورة.

وكم مرة نجونا من عمليات الغزو على البساتين والكروم، نغافل حراسها ونواطيرها، ونأخذ منها ما يعجب العيون.

الآن.. هنا أو هناك أو هنالك، ألعب شخصية المتفائل بكل عناية، وأفرح بقدر الحزن الذي يعتريني.

طباعة Email