حكايات الشتاء

ت + ت - الحجم الطبيعي

عاماً إثر عام، يثير فيّ هذا الشهر الشجون، كأني أعيش منذ قرن، في القرية الصغيرة التي يلفّها السكون، أرمق النبات البري المتسلل من ثقوب جدران حواريها الضيقة الذي يحيا على ماء الشتاء.

وما أحلاه في تلك الأيام، كان الصيام سيد الوقت يشغلنا بهيبته حتى يؤذن المؤذن، ثم نشبع بقليل من اللبن والتمر والماء، وكانت السكينة توفر علينا الطعام والكلام والنوم.

ما افتقدته طفولتي في أيام هذا الشهر، أن الأجداد لم يكونوا بيننا.. لم يتح لي الزمن لأرى أحداً منهم، رحل الأجداد، وما استمعت منهم ما يساعدني على النوم بسعادة، كما كان يفعل أترابي.

أتذكرهم رغم أنني لم أرَهُم يوماً، وكلما أعود إلى الأمس، أجدُني وإياهم نتأرجح بين البيت والحقل، بينما الهواء يداعب جباهنا العالية، وهي تعدو أمامنا في شوق لمعانقة الأرض. الجدّان والجدّتان، فلاحون بسطاء أنجبوا كثيراً لأن الحقول تحتاج إلى من يعمل فيها، وذلك كان جوهر الفكرة والفعل..

وكذلك فعل الآباء بعدهم.. العائلة الكبيرة شجرة وارفة الظلال، تؤنس وحشة البيوت الطينية في الشتاء، مجرد تبادل الحديث والغناء في ما بين أغصانها، يبعث الدفء في فضاء الغرفة الباردة.

. وكم مرة شعرت كيف تتلاشى الحرارة مني، لمجرد انتقالي من جلسة العائلة إلى سريري في الغرفة المجاورة، فأغمر جسدي بالغطاء، ثم أتسلى بإطلاق أنفاسي ولهاثي حتى يعاود الدم جريانه، ويذيب جليد القدمين واليدين.

كانت الأيام تمضي الهوينى.. لا شاشة فضية في المنزل، ولابد من ملء الوقت على شاشة الليل، حتى ينام الصبي الحالم. وحدها العمة الضريرة، سبيلنا إلى النوم الهانىء، تكرر على مسامعنا سرد القصص ذاتها، حين ينضب الكلام، أو حين لا تسعفها الذاكرة، وكنا نفرح، ونحس أننا نسمعها للمرة الأولى، ثم نغادر إلى أحلام شبيهة بحياة أمراء الحكاية.

 

طباعة Email