مواسم قديمة

ت + ت - الحجم الطبيعي

في ريفنا البعيد، لم يكن الصيام فريضة دينية فحسب، بل غدا مع التوارث الموغل في التاريخ، فعلاً أخلاقياً وإنسانياً، يضفي على المسألة الإيمانية أبعاداً اجتماعية، تتجاوز علاقة الفرد بالخالق، بما هي حالات التعبّد والتضرّع طلباً للعون والرحمة، إلى العطاء والتواصل، الذي يتأسس أولاً على صلات الأرحام، ليغتني من تلك القيمة السامية في العلاقة بالأهل والأسرة والأقربين، وينطلق بها نحو فضاء أكثر رحابة، عبر الاقتراب من هموم الآخرين وقضاياهم، والإحساس العميق بها، ثم المبادرة إلى البذل وفق مقتضى الأحوال.

كان الصيام يأتي في مواسم مختلفة، لم نكن نفرّق بينها كثيراً، كما لو أنها كلها أشبه بنسمات تمر خفيفة، وتمضي، لتعود إلينا في العام التالي، محمّلة بأمنيات جديدة..

لكأن انتظاراً ما، تكرّس في وجدان الناس، حيال هذا الشهر الكريم، بمعانيه الجليلة ومقاصده العظيمة.

لم يكن يشغلنا عن الصيام سوى إفطار الغروب، وسحور ما قبل الفجر.. الحروب كانت قليلة، وفي سنوات متباعدة، وأجهزة التلفزة في بضعة بيوت فقط، والمحطات المتاحة للمشاهدة لا تتجاوز الثلاث، أما البرامج والمسلسلات فكانت على محدوديتها تبعث على تسلية كبرى، لكنها تتيح للناس أن يناموا ليصحوا لاحقاً على صوت المسحّر، وهو ينادي الناس للقيام قربة إلى الله.

كانت أجسادنا ضئيلة، لكننا كنا نتشوق لإيصال أطباق الإفطار إلى عائلات بعيدة عن منازلنا، ونرافق "المسحّر" في جولته خدمة للصائمين، وكنا نتوسل ونبكي لنشارك العائلة وجبة السحور، وفي اليوم التالي نقوى على الجوع والعطش، ونثبت للأهل أننا أوفينا بالوعد.

 

طباعة Email