سحور في البرّية

ت + ت - الحجم الطبيعي

أعود إليه، لأرى أبي وأمي وهما يتوسطان الطاولة المستديرة في بيتنا المعقود بالحجر والطين، التي كنا ننسج حولها حلقات الحديث عن الذكريات وحكايات المواسم الماضية والمقبلة، وأحوال الزيتون والقمح في الحقول.

أذكر من ليالي رمضان، شتاءً وبرداً وتيناً وعنباً يموج بمائه تحت شمس آب اللهّابة.

خيمتنا في البرية التي نسميها العرزال، كنا نرفعها من خشب الأشجار والأغصان اليابسة، سياجاً للزرع، وحضناً لسهراتنا القمرية حتى السحور، وزادُنا كان على مرمى حجر.

من أجمل ما في شهر الخير، أنه يذكّرني باجتماع العائلة على مائدة البساطة والألفة.

لم نكن نذهب إلى الصيام، إلا عبر النداء الداخلي، لذا، كانت متعة الصبر على الجوع والظمأ، لا تضاهى.

كنا ندرك في ذلك الزمن البسيط الذي لم يكن لدينا فيه سوى المذياع، أن نرى بقلوبنا مآسي الآخرين.

في هذه الأيام، وبعد أربعة عقود ونيّف على الصيام الأول، أراني أصاب بانفصام غريب بين ما كان وما صار.

أحاول النظر، لكن قنوات من كل حدب وصوب تحاصر عيني ببرامج ومسلسلات ومسابقات، جلّها يتوسل الترويج والكسب المادي، فأشيح ببصري إلى مكتبتي، وأوزع الرؤية على العناوين، فأنتقي من الكتب المقدسة والروايات والدواوين، ما يملأ الوقت بعيداً عن شاشات المآسي والسذاجة والاستهلاك الإنساني.

ولعل أجمل مشاعري في هذا الشهر، أن أتذكر الأحباء الراحلين، وأقرأ لأرواحهم فاتحة الكتاب، وأسقي صيامي بريّ نباتات الشرفة، ووضع الماء والحنطة للعصافير.

 

طباعة Email