أوتارٌ عتيقة

ت + ت - الحجم الطبيعي

أوّلُ الصراخ

في الليلة الأولى من كانون الأول، قبل نصف قرن، وفي بيت من الطين، كان للشتاء والبرد طعم آخر، وكانت صرختي الأولى على هذه الأرض.

كم مرّةً كُنْتُ هناكَ، كم مرّةً يُمكن أن يكونَ العمرُ صدفةً. وماذا لو أنّ الحياةَ كلّها، تمضي إلى الختام بالصبا والحب والمطر؟

 دروبٌ بعيدة

أفكّرُ الآنَ في الدروبِ البعيدة التي تتلوّى على المنحدراتِ والسفوح..

هل يسلكُها الفلاحون إلى حقولهم، ويمرُّ عليها الرعاةُ، أمام عيونِ القنّاصة؟

لا يدركُ هؤلاءُ الغرباءُ أن الرعاةَ يغضبون من الوجوهِ القاتمة، ويتوقفونَ عن العزفِ على ناياتِ القصب. وأنَّ الأشجارَ والصخورَ والأشواكَ البريةَ والزواحفَ والحشرات يؤرقُ عيشَها أزيزُ الرصاص.

قبضات صغيرة

حينَ صعدْنا إلى قمّةِ الجبل، أدركنا كم أنّ الوادي سحيقٌ. كان صدى صرخاتنا يمشي في دهاليز المغاراتِ، وعلى طرقاتِ الينابيع.

لم تفلتْ الأفاعي من أيدينا.. ذكاءُ الطفولةِ في رؤوسِنا، ومهارةُ قبضاتِنا الطريّة، كانت لها بالمرصاد.

 نسيمُ البرْد

مِنْ هُنا، أشمُّ نسيمَ البرْدِ البعيدِ، المُمْتزجِ بارتجافِ الرفاقِ، ودخانِ الحطَبِ المحترقِ عندَ مداخلِ الكهوف.

لم يرغمْنا أحدٌ على الاحتماء، كانت مغامراتُنا مع الطبيعةِ، لنحرّرَ أنفسَنا من جدرانِ المنازلِ البسيطة.

نرى الأشجارَ، وهي تئنُّ من أغصانِها الجرداء، ونسخرُ من غرورِ الخريف، وضحكاتِه العاليةِ، على عُريِها.

لا يدركُ الخريفُ أن صديقَهُ الشتاء، سيغازلُها كثيراً، لتزهرَ في الربيع.

دهشةُ التشابه

في رحلة المترو المتّجهة إلى ناحية سكني، شاهدت رجلاً يشبهني..

مدهشٌ ومربكٌ أن تكون في رحلة واحدة مع شخصٍ يحملُ ملامحكَ.

للمرّة الأولى في حياتي، أدركُ أنني أشبهُ أحداً ما.. والمحيّرُ في الأمر أكثر، تلك الفتاة، هل ستنظرُ إليَّ أم ستتوجهُ بعينيها إلى شبيهي الغريب؟

طباعة Email