إشارات بعيدة

ت + ت - الحجم الطبيعي

حين نغادر مكاناً إلى آخر، يتبادر إلينا للتو، الكثير مما ليس في متناول العيون والأيدي. فقط، عند الارتحال يمكننا الاستزادة في الاكتشاف والمعرفة والدهشة. هكذا ترنو الأفكار إلى سبر تفاصيل الأمكنة وأهلها.

من علٍ، تبدو التضاريس بحجم كف اليد، أو خارطة ثلاثية الأبعاد، تمر فوقها بعض السحب العابرة. قريباً من المرافىء، النوارسُ تحلّق فوق الماء، بحثاً عما تقتات به من أسماك ساذجة.

في النهار كما في الليل، يمكن الإبحار في مياه البوسفور، والاستمتاع بالهواء النقي والمشاهد الساحرة على الضفتين، قصور ذهبية وقلاع ومنتجعات ومنازل أنيقة. والأجمل من ذلك كله، أكواب من الشاي المر وموسيقى وأغنيات عن مدينة ساحرة.

ربّما لن يرى المرء مثيلاً، لمنطقة تضجّ يومياً بتدفق إنساني متنوع.. لا تشبه «تقسيم» الصورة المتخيّلة عن الفكر الذي يدير البلاد، في أي شيء. لفتني صاحبي إلى المفارقة العجيبة، كيف أن الحياة تجري هنا، بعيداً عن مرمى «العيون المحافظة»، التي لم تتمكن في الأشهر السابقة من اقتلاع حديقة، وتغيير معالم منطقة تشكل متنفساً لأجيال مختلفة، بينها الشباب الطامحون إلى عدالة وتنمية حقيقيتين تتيح لهم العيش بطمأنينة في ظل هجوم وتغوّل رأس المال..

في «الاستقلال»، انعتاق وحرية، وفرح مشوب بالجنون، تلك سمات الاحتفاء اليومي في ذلك الشارع العميق والطويل، والمسارب المتفرعة منه، حيث الأجيال والأعمار تمتزج في الحب والموسيقى الصاخبة.

صعوداً إلى الجبال، قرية صغيرة، تتدفق من سفوحها مياه كبريتية ساخنة، شربنا منها وقطرنا لعيوننا، ثم وضعنا أقدامنا في مجرى النبع الدافىء. كانت تجربة ممتعة تحدث للمرة الأولى.

طريق الشمال، كان محفوفاً بالشتاء، هطل مطرٌ، بينما السحب الرمادية كانت تغطي التلال المكسوة بالغابات. هناك، في ذلك الخريف البعيد، منحني المطر الناعم، قبلات من السماء.

طباعة Email