على أبواب الخريف

ت + ت - الحجم الطبيعي

استسقاء

شجرة اللوز التي ترتفع أغصانها لتعانق شرفتي، هي ذاتها التي سقيتها بصلاة استسقاء، فجر يوم خريفي من السنة الماضية. يومها أمطرت غزيراً، فكان الزهر بعد شهور قليلة، كنجوم بيضاء متلألئة على سجادة مزخرفة في فضاء الحديقة. أفكر، ونحن على مشارف فصل آخر، لو أن يدك ويدي ترتفعان معاً إلى الأعلى، وتسحبان قطعاناً من الغيم، وتصنعان بدفئهما برقاً ورعداً ومطراً.

سر الغيمة

هذا المطر الأزلي، يبعثه الله غيثاً للكون، فيما غيومي، تمزج ليلي بنهاري، ولا تحفظ من ذاكرتي إلا النسيان. تسرح كالغنم الشارد في حقل الألوان، تغدو وتجيء في ثوب من قطن أبيض، يسبح وسط الزرقة طويلاً، ثم يتغير لونه، فيكون بنياً حيناً ورمادياً بعض الأحيان، لكن لا قطرة ماء فيه، تروي ظمأ الإنسان.

ألم الغيمة سر لا أعرفه، أغيثوني، هل أرميها بالنار؟ أم أنفخ فيها هواء من روح الأشجار.. أم أسطو على البحر، وأبللها حتى تصبح ماء؟

إن الغيم بلا مطر تنهيدة حزن للأنهار.

شغفي يتدفق أنهاراً

فاض عني شغف الحب، حتى أصبح أنهاراً، تجري في كلّ الأنحاء. والماء الذي يتسرّب من ذاكرتي، صرت أشكّ في معناه، واحترت في سرّ الأشياء. الوقت يعزف نغمته المغرية، وهذا الكون لن يبقى فيه للناس إلا الصور والأسماء. هذا الحب الذي في قلبي يرنو للعيش طويلاً، لكن خيالي تعب حتى انكشف العمر ولياليَّ لا تكفي للأحلام.

سمفونية مائية

ماءٌ يهطل من أعلى، يتدفق من أسفل، ماءٌ يعلو ويعلو حتى الغيم، ثم يتهادى في نهر وسط الغابة، وينساب على الأرجاء. ماءٌ يطفى ناراً أو يشعل نوراً، ماءٌ يتصاعد وتلاعبه الأهواء، يتفجر فتبتسم الأزهار. ماءٌ يذرف دمعاً ماءٌ يتجلى فيه الفرح رغم الآلام، ماءٌ يغلي وبخاره يتصاعد في الأمداء. ماءٌ يرسم أشكالاً، يمحو الألوان. ماءٌ يقتل بشراً، أو يحيي الأرواح.. يمشي عليه نبي، أو تغرقنا فيه الأنواء.ماءٌ يغسلنا قرب المهد، يطهّرنا قرب اللحد.. ماءٌ ينقذنا من الآثام، يتسرّب إلى عمق الأشياء.

طباعة Email