المطاف الأخير

أصدقاء

ت + ت - الحجم الطبيعي

زمن الرقة

أمس، عبرتُها، بعد غياب، لقد تبدّلت معالمها قليلاً، صارت من ركاب «المترو» المياومين. ها هي الذكريات تترنّحُ على أرصفة شارع الرقة.. سألني الحلاق القادم من الجنوب، عن أحوالك وأنت تصارع غربة أخرى، كأنك تركت في شبان ذلك «الصالون»، ابتسامتك وروحك الطيبة. وفي المقهى المقابل لمنزلك القديم، لم تكن الوجوه رقيقة كما ينبغي. يبدو أن الأمكنة التي تتغير، تصيب الناس بالعدوى، وتلقي عليهم ظلالاً من الارتباك.

أتذكر يوم كنا ندلف من بابها الخشبي، ينتظرنا ركننا الأثير، لنصطف مثل قطع معدنية، ونحتسي الوقت بكؤوس الشاي وفناجين القهوة، أملاً في نهار جديد أقلّ وحدةً وضجراً. أنت لا تزال هنا، وظلالك لا تزال مرتسمة على أرصفة «الرقة»، ومحطة «المترو » تنتظر رحلتك التالية.. أما الأمكنة التي قصدناها سوية، فلا تزال تتردد في أرجائها ضحكتك الساطعة.

ريفية الروح

كنت هناك مع الأحبة، لكنني، بالرغم من بعد المسافة والبحار والصحارى الفاصلة، تخيلت بأننا معاً، حيث احتضنتنا مدرسة القرية الوادعة التي لعبنا في حواريها وبراريها، وخضنا التجارب البكر في الحب والسياسة. تلك القرية، قريتنا، وتوأم الروح لأمهاتنا اللواتي رحلن، وظلت روائح ثيابهن العطرة، ولمساتهن الحنونة، عالقة في شغاف القلوب. إنها القرية ذاتها التي تعانق ذرى فلسطين السليبة في الجليل، وتلقي التحية أيضاً كل صباح على سهول صور وبحرها وألقها القديم.

أجل، هذه الريفية الأصيلة، التي تمرست في المدينة وعلاقاتها المتشابكة والمعقدة، هي أصلنا في المعنى، والمضمون، والشكل. وهذه الفطرة الشغوفة بمحبة الآخرين.

مجدداً، إنه الحنين الذي يدق على باب القلب، مثل جرس الصباح في ملعب المدرسة الصغيرة. ننهل من ذاك المكان البعيد، حيث الساقية الصغيرة التي كانت تجري بدموع النبع المتفجر كل ربيع.

طباعة Email