بين مدنٍ كثيفة

ت + ت - الحجم الطبيعي

وأنت ترتحل بين مدن التاريخ، تحس للحظة أنك ابن ذاك الزمان، تتذكر روائح أمكنة وطأتها قدماك، وأناساً كنت تجالسهم في بهو منزل قديم، أو في الحارات التي تراصفت حجارتها بيتاً على كتف بيت، أو على رصيف بحري انطبعت عليه خطوات الجنود والصيادين والمهاجرين.

في هذا التراب القديم، نبتت أشجار وارتفعت المساجد والمآذن، والقلاع والحصون. كان بشر يولدون ويعيشون ويرحلون، لكنهم تركوا آثارهم حروباً وحيوات تشي بأن شعوباً على هذه البسيطة كانوا كالأساطير في القدرة على إبداع الحياة، مثلما هم كانوا قادرين على فنون الحروب والفتوحات.

من بيزنطة إلى فتح القسطنطينية، وصولاً إلى إسطنبول، أزمان تتوالى على المكان ذاته.. كانت هذه المدينة عاصمة عدد من الإمبراطوريات عبر تاريخها الطويل، فجاء إليها الرومان، والبيزنطيون، واللاتين، لتحل بعدهم الدولة العثمانية التي شهدت أفولها عام 1922. تبددت الإمبراطوريات، ولم تتبدل الطبيعة بما هي هبة من الله، حافظت على جمالها واعتنت به، ليتجدد دائماً جيلاً بعد جيل، ولا تغيرت نظرة الناس إلى قيمة هذه الأرض، مهما اختلفت سياسة المتعاقبين على حكمها. فالناس يجيئون ويرحلون، لكن من يبقى في الوجدان هو الذي يترك أحسن الأثر بين أهله والذين خارج الحدود.

بين جانبي المدينة، "تراقيا" الأوروبي و"الأناضول" الآسيوي، من مضيق البوسفور، تفردت إسطنبول بكونها المدينة الوحيدة الواقعة بين قارتين. وحين نتحدث عن كثافة المدن وجمالياتها العميقة في الزمن، تحضر مدينة التلال السبع، في الذاكرة واحدة من أعرق المدن في التاريخ والثقافة والفنون، وهي حالياً ثاني اكبر المدن في العالم، كثافة ليس في ساكنيها من المقيمين والزائرين، بل في هذا الغنى والتنوع الذي يتجلى في عمارتها ومناطقها، حيث الحداثة الطاغية بأبراجها وعولمتها الثقافية والاقتصادية، لا تجرؤ على إسدال الستارة على قصورها القديمة ومساجدها الرائعة الجمال، ومائدتها وحلواها الثرية في مذاقاتها، وحدائقها التي لم توفر لوناً من الحياة، إلا واحتضنته  في مساحاتها المترامية الأطراف.

طباعة Email