فإذا الشاعر مات.. انتبهوا

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا شيء يوازي حرقة الكون على رحيل الشعراء، فالمرء يحس بشيء من عدم توازن العناصر على الأرض، وفي الكواكب والمجرات، بينما نلمح على بتلات الورود دموعاً كدموع الإنسان.

في فترة وجيزة من الزمان، رحل أحمد فؤاد نجم، وجوزف حرب، وأنسي الحاج. شعراء من دنيا العرب، تركوا آثاراً جميلة كأسلافهم، وألماً في قلوب المحبين، كأنما الخسارة تزداد قسوة في زمن الخوف والضياع والتفكك، لكأن الراحلين لو استمروا على قيد الحياة، كانوا ليخففوا من وطأة أحزانهم وأحزاننا، ويبثوا فينا الكلمات الراعية للأمل.

هكذا عبر الشاعر شوقي بزيع عن الرحيل الجلل، في قصيدة "الشاعر"، إذ ختمها بالقول: ".. الناس نيامٌ فإذا الشاعر مات انتبهوا". يشعر الناس بهذا الحضور السامي للشاعر، وهو يغوص في أحاسيس الكون، ناساً ونجوماً وحجراً وأشجاراً، ويتتبعون خطاه، وهو يناجي المرأة، أمّاً وحبيبة، وفي ظنهم أن ما يعبر عنه هو لسان حالهم الغارق في صمت وحيرة، حتى لتجيء العبارات كما لو أنها شهد عسل، يقدم على مائدة الكتاب.

يسرق الشاعر الوقت، أكثر من بقية الناس، لشعوره أن كل لحظة في الحياة هي مشروع قصيدة، لذا تبدو الكلمات في سباق مع أخواتها، للوصول إلى منتهى المعنى.

الحرية والإنسان جمعت بين الشعراء الثلاثة أحمد فؤاد نجم، وجوزف حرب، وأنسي الحاج، الذين غادرونا الواحد تلو الآخر.

اختار نجم اللهجة المحكية المصرية، فكانت قصائده، التي تنوعت بين السخرية والواقعية والحب سلاحاً لرفض الظلم، وسبيلاً إلى الحرية والعدالة الاجتماعية.

وغاص حرب في جماليات الريف، وعشق الوطن، وتمجيد الحب، بلغته العربية الفصيحة، المتميزة بغناها وفخامتها، وبالعامية اللبنانية الحميمة، التي دخلت عبر أغنيات فيروز إلى قلوب أبنائها ، كما إلى وجدان "الغرباء".

وذهب الحاج إلى أقصى الحنان والثورة في نصوصه النثرية والشعرية، وتفوّق شعره جمالاً على جمال المرأة التي مرت في الكلام.

فرح الشاعر وحزنه مدوّيان، مثل رحيله تماماً.

طباعة Email