المثقف عند العرب هو الحاذق الفهِم الفطِن، وهو المهذب، فكأنه قد أجلس على "الثِقاف" فشذب منه ما وَعَر من الأخلاق، والثقاف آلة يقوّم بها المعوج،
ولا يصح أن يكون المرء نصف مؤدب أو نصف مهذب أو نصف فطن! أو قل، بلغة عصرنا، نصف مثقف! فهؤلاء قد أفسدوا علينا دنيانا وعكروا صفوها. يحاججك أحدهم بلا حجة، ويأخذ منك الوقت بلا ثمن، ويغلبك إن حاورته وإن كان أجهل الناس في مادة حوارك، وقيل على لسان الشافعي، رحمه الله،: "ما جادلت عالماً إلا غلبته، وما جادلت جاهلاً إلا غلبني".
وخطر "نصف المثقف" أكبر من الجاهل، لأنه يستغويك بكلام يشبه الحق، وما هو بالحق، وينال المناصب، وما هو بمسؤول، ويأخذ الباطل بلحن القول، ولقد ظن الناس - خطأ - أن هذا هو المثقف، وإن أتى المنكرات! والصحيح أن المثقف قيمة إنسانية في المرتبة الأولى، ومن يسميه الناس مثقفاً لطلاوة كلامه، قد يكون أبعد الناس عن المعنى الحقيقي للتثقف. ولهذا وجب على المجتمع أن يتسلح بالمعرفة الحقة، ليدفع عنه شر أنصاف المثقفين.
من أمثال هؤلاء - وهم كثر- من أسمى نفسه عالماً ونصبه البعض رئيساً لعلماء المسلمين، ونحن لا ننكر على أحد إسلامه فلسنا محاكم تفتيش على قلوب العباد، ولكنا ننكر أن يطلق صاحب مسكة عقل على رجل مثل "القرضاوي" لقب عالم!
طالعتنا وسائل الإعلام بقول للقرضاوي جاء فيه: "الإمارات تقف ضد أي حكم إسلامي، وتسجن المتعاطفين معه"! ولسنا ندري أي حكم إسلامي يزعم القرضاوي أن الإمارات تقف ضده، إلا إن أراد موقف الإمارات من حكومة المعزول في مصر، التي ما بادرتها الإمارات بعداء، ولكن مرشد الإخوان، والحاكم الفعلي حينها، قد هاجم الإمارات بلا مبرر، وسب أهلها بلا جريرة.
هذا نموذج لنصف مثقف، مُنح من درجات الدنيا ومراتبها الكثير، وفتحت له أبواب الإعلام، فعاد ذلك على العباد بشر مستطير، ولكن حسبنا أن نردد: ((وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه)).