لم يكن مارك زوكربرغ الشاب الأميركي الموهوب، يتخيّل أن فكرة «فيسبوك» التي ابتدعها، ليتواصل مع  زملاء الدراسة وأصدقاء الطفولة، ستقوده يوماً ليصبح إمبراطوراً في عالم المال والإعلام، بفضل هذا الموقع الإلكتروني المخصص للتواصل الاجتماعي. كما أنه لم يكن يتوقع أن تصبح شبكة «فيسبوك» وسيلة تفاعل بين الحضارات والثقافات  في العالم،  تحتضن مئات الملايين من الأشخاص والهيئات والمؤسسات في أربع جهات الأرض.

لكن، وبعد أن انكشف مدى حضورها المؤثر، تجاوزت هذه الوسيلة هدفها الاجتماعي الترفيهي، إلى قضايا متشعبة، تصدرتها المسائل السياسية والفكرية، ووجد الناشطون فيها محطة انطلاق يسيرة وسريعة ومؤثرة نحو أهدافهم في التغيير.. وتلك كانت ميزتها في السنوات الثلاث الأخيرة، حيث كان التأثير جلياً في تطورات الأوضاع في أكثر من بلد، وخصوصاً في منطقتنا العربية.

كان بإمكان الناشطين المنضوين في إطار «فيسبوك»، أن يروّجوا أفكارهم بكل حرية، وصولاً إلى واقع أفضل في بلدانهم، من خلال حركتهم الدؤوبة في هذا العالم الافتراضي الرحب، لكن تبين مع مرور الوقت، والتبدلات الحاصلة، أن الأمور خرجت عن كونها فعلاً إنسانياً يكتسب مشروعيته الأخلاقية، ليختلط الحابل بالنابل، والغث بالسمين، في الكلام المباح.

هكذا بتنا أمام حروب مفتوحة على الصفحات، خاضها عامة الناس ونخبتهم على السواء.. حتى صرنا نتفاجأ بشعراء وكتاب ومثقفين لا يتورعون عن كيل الشتائم والاتهامات، بعضهم للبعض الآخر، كما لو أنهم في برامج سياسية، مثل التي نشاهدها على فضائيات عربية محددة.

هوية «فيسبوك» التواصل الاجتماعي أولاً وأساساً، وهو ممر للبحث عن أصدقاء طال غيابهم، ولا نعرف أمكنتهم، كما أنه منصة لاكتساب المزيد من الأصدقاء.. ألا تكفي هذه المسائل ليفهم الناس أنه ليس للتناحر وإلغاء الآخر؟!

«فيسبوك» أيضاً، للتواصل الإنساني بشكل لائق ومنطقي.. وهذا يستدعي أن تكون النخبة أكثر القوم تعقّلاً.