في غمرة هذا الشتاء، لا صدى للصهيل بين الرمال، حملتُ قلبي، ومضيت هائماً في العتمة الحالكة، أعبر براري الغيم وغاباتها، وأتدفّأ بالندى، منتظراً هبوب الابتسامة الولهى لنجمة الصباح.

******

لن أصدّق مطراً، إذا لم يبلّلني، ويغسل روحي من بقايا صيفها..

لن أصدّق مطراً، لا تلسعني قطراته، وأشعل من أجله ناراً..

لن أصدّق مطراً، لا يدفعني إلى التخفّي بمظلتي السوداء.

*********

ما أعذبه الشعر حين لا يكتب لامرأة بعينها.. تنطلق الحروف والكلمات في فضاء لا يحد، ثم تتجلى العبارة كقوس قزح، يرتسم على خصر السماء بعد الشتوة الأولى.

 ********

راحت تتأمل الخطوط الجليدية المتدلية من السطح.. ثم بعفوية، بدأت تلامسها بحركة هندسية رقيقة، كما لو أنها تداعب أوتار آلة "الهارب" الباسقة.. كان المشهد أشبه بعزف منفرد لموسيقى بيضاء.

 **********

تُرفرفين ولا تتعبين.. متى، على غيومي، تبعثين نسيماً من جناحيك؟

ليلفحني بردٌ خفيفٌ، فيفيقُ منامي، وأطيرُ إليك..

 *********

ماءٌ يهطل من أعلى.. ماءٌ يتدفق من أسفل.. ماءٌ يتهادى في نهر وسط الغابة.. ماءٌ ينساب على الأرجاء.. ماءٌ يجري ندياً بين ممرات الزغب العشبي..

ماءٌ يمتزج بالطين وبالدم.. ماءٌ يتموج بحنان في عمق الكهف.. ماءٌ يترقرق عند حواف الأسماء.. ماءٌ يطفئ ناراً.. ماءٌ يشعل نوراً.. ماءٌ يعلو ويعلو حتى الغيم.. ماءٌ يتصاعد وتلاعبه الأهواء.. ماء يتفجر فتبتسم الأزهار..

ماءٌ يذرف دمعاً.. ماءٌ يتجلى فيه الفرح رغم الآلام.. ماءٌ يغلي وبخاره يتصاعد في الأمداء.. ماءٌ يرسم أشكالاً.. ماءٌ يمحو الألوان.. ماءٌ يقتل بشراً.. ماءٌ يحيي الأرواح.. ماءٌ يمشي عليه نبي.. ماءٌ تغرقنا فيه الأنواء.. ماءٌ يغسلنا قرب المهد.. ماءٌ يطهّرنا قرب اللحد.. ماءٌ ينقذنا من الآثام.. ماءٌ يتسرّب إلى عمق الأشياء.