قمين بأمة تريد النهوض أن تهتم برموزها من شعراء وأدباء وناثرين وقصاص ومفكرين وسياسيين.. والشعر ديوان العرب - أولى الفنون بالعناية والرعاية، والشعراء - أصحاب الديوان - أكثر الرموز حاجة للنظر والعناية، لأنه المعبر الأول عن ثقافة الأمة، ولأنهم يقيدون لحظات إبداع لا يقيضها الله لكثيرين، فيصفون وينقلون الأفكار والأحاسيس من قيد الإبهام إلى إطلاق التعبير.
كنت وأنا طالب في المدرسة الوسطى، أرى بيتا يزين جدران المدرسة، وكان يقبع في جدران أغلب مدارسنا في السودان.. بيت بليغ جميل يقول:
وعلموا النشء علما يستبين به * سبل الحياة وقبل العلم أخلاقا
وكنت أظن هذا البيت للمتنبي حتى قادتنا خطانا إلى المدارس الثانوية، وعلمنا من هو الشاعر الفذ (محمد سعيد العباسي).. فلله دره من شاعر.. تشرّب حب السودان وحب مصر، فعاش يحن لتلك ويتمرغ في تراب هذا حتى وافته المنية، ولشد ما أعجبت بقوله في مصر:
والناسُ فيكِ اثنان شخصٌ قد رأى * حُسْناً فهام به، وآخرُ لا يرى
ومثل صاحبه، كان محمد عمر البنا، الذي صاغ أبياتا في خواتيم القرن التاسع عشر ظننت في ريعان صباي أنها لحسان بن ثابت، وكانت تردد في بلادي لأسباب عدة ولأوهام عدة، فقد صدح البنا في حربه ضد الأتراك:
الحرب صدق واللقاء ثبات * والموت في شأن الإله حياة
الجبن عار والشجاعة هيبة * للمرء ما اقترنت به العزمات
وأمثال العباسي والبنا كثر في السودان، وهناك من هو "أجود" منهما، سواء في نظم العامية أو الفصحى. وليس من باب حب من سكن الديار، ولا كل فتاة بأبيها معجبة، ولكن من باب الصدق، فإني أقول بأن شعراء السودان قد ظلموا مرتين؛ من أهلهم حين نبذوا شعرهم وأدبهم، ومن إخوتهم حين نأوا عنهم ولم يأبهوا بهم.. وأخشى أن نكون "لأنفسنا أظلم".