حسناً، ابتسمي الآن، رأيتهم يهزّون السياجات حول خاصرة الوطن، وقد حفرت على أيديهم خطوط حمراء قانية، كما لو أنهم في عرس انتهى باختراق الأسلاك الشائكة، ورغبة عارمة في معانقة الذاكرة. هل تعلمين بأن الشمس كانت هناك للمرة الأولى منذ سنوات، وسمعتها تناجيها: فلسطين، لا بدّ ستكونين يوماً رفيقتي الدائمة.
......................................................
لا أذكر أنني كنت في طفولتي عبقرياً، ليخاطبني جدي ذات مشاغبة قائلاً: أنتَ يا صبي، تنزع الدبس عن الطحينة".. وتلك لعمري مسألة معقدة، ولا يمكن فعلها.
الآن أقول: كم كنت أتمنى لو كنتُ ولا أزال كذلك، لوضعتُ حلولاً للقضايا الشائكة كلها، في بلداننا العربية على الأقل!
.....................................................
الشمس كانت تطلع متثاقلة من الشرق، بينما القصف راح ينهمر على القرية الصغيرة والحقول والتلال المحيطة بها.. كان ذلك في الأيام الأولى من آذار شهر اللوز. لم تكن هناك ملاجئ ليحتمي الناس فيها، أما "أوهام" السلامة فكانت فقط في الغرف السفلية، أو في بعض الكهوف القريبة..
ظل أبي وأمي في البيت، رفضا المغادرة معنا في اتجاه مكان أكثر أمناً، لكن أختي التي كان صوتها جميلاً، ويطلقون عليها "فيروز المدرسة"، ظل عقلها هناك مع أمي وأبي الوحيدين في بيتنا الصغير..
مضى خمسة وثلاثون عاماً، وأختي لم تعد تتذكر شيئاً من كل ذلك، لكنها فقط ترتعد خوفاً، كلما سمعت هديراً في السماء.
......................................................
كلما أردت أن أؤلف كتاباً، تأتي حربٌ، تجتاح أوراقي وأفكاري، وتسيل دموع الكتاب.
.......................................................
وما ذنب الناس والتراب والشجر، إذا كانت الفريسة شهية للصياد.. والصياد أعمى؟!
.......................................................
متى تعود الدمعة إلى مسقط رأسها، ويغادر الحزن إلى الأماكن البعيدة!
.......................................................
أنتم الضحايا في كل مكان وزمان، وسائل لكتابة التاريخ، والبكاء.
.......................................................
.. ولأنك يا وطني لا تموت، ويموت من لا يحبونك، سأسكن في ضلوعك، وأنام ملء جفوني.