قليلةٌ هي شهور رمضان، التي حلّت عليَّ صيفاً، لا أذكر إلا صوم الأيام الباردة في قريتنا الصغيرة..

لا فضائيات مفتوحة على مدى اليوم، ولا مسلسلات وبرامج، تجعل المرء حائراً في كيفية تتبعها ومتابعتها..

لم يكن التلفزة ذلك الصندوق العجيب، قد احتل بعد، مكانه إلا لدى قلة من الميسورين، أما الخيارات التلفزيونية فكانت محدودة، وكنا ننتظر بلهفة وشغف أفلاماً ومسلسلات لبنانية ومصرية وسورية.. كنا نعتبرها هدايا حقيقية في غربتنا الريفية البعيدة.

لا تفارق ذاكرتي، أوقات السحور، التي كانت بالنسبة إلي نوعاً من الاعتبار لحضوري بين أفراد أسرتي الصائمين.. "لا تزال صغيراً يا ولدي، ولاحقاً ستنضم إلينا، ويتقبل الله منك سعيك"..هكذا، بأسلوبها الهادئ الحنون، كانت أمي تواجه إصراري على الاستيقاظ من النوم لتناول السحور، ولما لم تجد سبيلاً إلى ذلك، بات عليها أن تحاول إقناع أبي بالموافقة على صيامي.

شكّل السحور لي عالماً خيالياً، كنت أفكر بهذه القيمة الغالية لطقوس الصوم، وانتظار "المسحّر" الذي كان يجوب حواري القرية والصغيرة، وينادي على أصحاب البيوت بأسمائهم.

كان الليل طويلاً، حتى ليشعر المرء بأنه ينام أياماً.. لذا كان السحور، نوعاً من إطلالة جديدة على الحياة، تشبه إلى حد بعيد انبلاج فجر آخر في أعمارنا.

السحور كان فطرياً، وفي تلك "البدائية"، تشكل سحر ما، لم يعد موجوداً.

بات الناس يمضون ليالي هذا الشهر، ويصلونها باليوم التالي، وصار السحور جزءاً من سهرة روتينية تضج بالكلام والدخان، أفقدته تلك النكهة البكر لطقس الصوم الجميل.