كلّ ما لديكَ يسري في الوجه، كما لو كنت قد تنبّهتَ من قبل بعيدٍ، أن وجه الشيء هو عينه، وأنك تمضي من وجه الشيء، لترى ذاته التي لا نراها.
كأنك أمطتَ الحجابَ الذي لا يراه إلا أنتَ. فما إن تظهر لنا ما وجدت، وقعنا على كون بشري، تُكثّفه السمات والخطوط والخلايا الظاهرة والباطنة.
وإذ نملأ العين بما أظهرت، تلبسُنا الصورة، فيلتبس علينا ما في الصورة.
كأنما سكنّا في غواية الرؤية، فأسكنتنا في المحل الذي أردته للذي ينظر إليك. فما عدنا نميّز المجاز من الحقيقة، ولا الحقيقة من المجاز.
إلاّ أننا سندرك بعد هنيهة، أن حيلتك المكسوة بالخطوط والألوان والأعاجيب، هي تلك المطّلعة من سر ما.
نحن المسكونون بالمعنى، غالباً ما يحملنا سماع الكلمات إلى مطرحٍ لا عهد لنا به، حتّى إذا جذبنا شغف الاستماع إليها، وصحونا على هفيف سرِّها، صرنا ذلك السرّ.
فكانت لنا حالاً بحال، وحرفاً بحرف، وجملة على جملة.. حيث لا فراق ولا مفارقة. كأن الكلمة هي الحاسّة، والحاسّة هي الكلمة، ثم لكأنَّ القصيدة حاسّة الحواس.
عند أول الانتباه، جاءتني الكلمات مثل برقٍ محض. فإذا ما نظرت إليَّ، وجدتني كحروف أخذتها الرعشة، وغداً أمري فيها عجباً.
كأن لا تُسمع جارحة الجوارح، إلاّ في الاستحالة، إلاّ في غياهب النفس المكتظة بالكلمات الصغيرة والكبيرة، وعلامات الوصل والفصل والاستفهام والتعجُّب.
كل ما تفعل، أيها الشاعر الغائب، تفعله بسر، قد تدركه وقد لا تدركه.. ما همَّ، الأهم أنك تجيئنا بوجوهنا على حين غرة، تلك هي بدعتك الآتية من ضوء المعنى.
حكمة:
حين تخذلكَ اللغة ذات تعبٍ، تصفّ حروفها.. حرفاً على كتف حرف، وتروح تضمّها، تحنو عليها.. تقبلها حرفاً حرفاً، فتنزل دموعها فرحاً، وتسيل الكلمات كمياه النهر.
حادثة:
لم يُحسن كتابة رسالة إلى حبيبته، لجهله لغة العشق.. فهرع إلى صحيفة، ونشر إعلاناً يطلب فيه شخصاً يُتقن "الدبلجة".