لديّ يدان وعشر أصابع.. اليد مؤنث والإصبع مؤنث، لذا يزخران بكل الحنان، مثلما يمتلئان بالقسوة والشدّة..
لديّ أيضاً قدمان، في كل قدم عشر أصابع، لكن القدم غالباً ما تستخدم في الألعاب التي تحتاج إلى الطاقة والقوة، ولزجر المتطفّلين والكلاب الشاردة.
بيدي تعلمت الكتابة، وتناول الطعام.. ولا أنسى بصمات اللمسات الأولى في المرحلة الابتدائية.
لديّ من ذكريات اليدين الكثير من الفرح، والكثير من الألم، إذ لا أنسى صفعات تلقّيتها على أشياء كانت لا تستحق العقاب، ولا سيما الصفعة التي تلقيتها من زميلة في الصف، كنت أوصل إليها رسالة حب من صديق، أنا من كتبها أيضاً، فكان العقاب مضاعفاً جسدياً ونفسياً.. كما أشعر بالندم على كل لحظة استخدمت فيها يدي لضرب أترابي في المدرسة، وأثناء اللعب في الحواري، أو في السطو على بساتين البرتقال وحقول التين والكرمة.
كنت أشعر بفرح يديّ وأصابعي في مواسم الجني، وقطف حبات اللوز والإكي دنيا وأكواز الرمان وعناقيد العنب وقرون الفول.. و"مرش" الزيتون.. وحين كنت أجمع الزهور من الحقول، لأضعها في مزهرية الحبيبة الصغيرة.
يقولون: يشار إليها، أو إليه بالبنان، كدلالة على القيام بفعل جلل..
ولطالما قدمت الأمهات بأيديهن النذور لكي يوفق الله أبناءهن وأحباءهن في ما يطلبون، أو توسُّلاً للشفاء، لكن التعاويذ تركت تأثيراً بالغاً في تصرفات البعض، فأحدهم لا يشرب القهوة في بيت ما، لخوفه من وضع تعويذة محبّة داخل الفنجان. وآخر لا يتناول الشاي من يد ابنه أو ابنته، تفادياً لتأثير زوجته التي هجرها منذ سنوات، لكي لا يقع في جحيمها من جديد.
أما يديَّ، وإن صارتا تعملان إلكترونياً في هذه الأيام، إلا أنهما احتفظتا بالإرث الجميل.. كانتا دليلي إلى حقيقة الجمال في هذا الكون.
بصمات يديّ نقية، وهي منذورة للخير، أبلسم بها وجع الحبيبة، أمسّد بها جبينها الساخن، من الحمّى، وأقرأ في حضرتها الشعر، لتشفى من حسد الحاسدين.
بصمات يديّ، وهبني إياها الله، ولن ينتزعها مني أحد، إلا الأحبة في مملكة الحنان.