هنا في «الحدائق»، في قلب الصحراء، ورغم الحرارة المرتفعة والرطوبة الخانقة، يمكنني أن أستمع إلى شغب العصافير والطيور، وهي تقيم مهرجانها الصباحي على أشجار تظلّل البيوت، وتمنحها الحنان.

قابعٌ وسط غرفة الجلوس، في حِمى مكيّف الهواء.. ومن خلف زجاج النافذة، السماء ضبابٌ، والشجر يتمايل على صفير الريح الساخنة، والعصافير ترفرف بأجنحتها لتطفئ من حرّها قليلاً، بينما تئن في أصواتها فاتحة مناقيرها لظمأ حزين، وأنا أرتجف لهذا المشهد من البرد.

البلابل تحت شرفتي لا تنام، وهي بالتأكيد ليست كالبلابل في بلادي.. لكنها لم تفقد عقلها، وأغلب الظن أن حر الصيف ورطوبته، لا يتيحان لها إغفاءة قليلة، لذا لا تكف عن عزف ألحانها.. واللاّفت أن لا مواقيت لحفلاتها، إذ إنها تبكي وتضحك ليلاً ونهاراً، لكنني لم أتمكن من التمييز بينها: أيها الذي ينضح بالحزن، وأيها الذي يشي بالفرح!

يظن الغريب هنا للوهلة الأولى، أن الرطوبة ربما يفتّتها نسيم القمم.. هكذا يمضي المسافر على الطريق الطويل، ويلمح على جنباته كيف تزحف كثبان الرمال، وتنتصب أمام الأشجار المتناثرة على مدى السراب.

بين السواحل والجبال، مسافة من الرمل تغلي على حرارة صيف.. وخريف، لا تبخّر الرطوبة، بل تغسل بها الأجساد اللاّهثة والمقطوعة الأنفاس، في انتظار شتاء آخر.

هنا في «الحدائق»، أمشي على أرصفة من عشب أخضر وأزهار متعددة الألوان، وبين أشجار باسقة متنوعة الخضرة. وكما دعا الراحل محمود درويش، في مقدمة إحدى أمسياته الرائعة في الشارقة، سأستعيد دعاءه بأن ينمو الشجر وتتسع مساحاته في هذه البلاد، ليصبح الرمل أقلّ، وتغدو الخضرة في القلوب والعيون أكثر.