الشبكة العنكبوتية وخيوطها العجيبة، حلّت على العرش. وكان على «فيسبوك»، و«تويتر»، وسائر أبناء أسرة التواصل الاجتماعي الإلكتروني، أن يزيحوا من فضائنا لغة الزمن الهادئ والحنون.
حتى العمر، لم يعد متاحاً لك أن تعيشه برويّة، عليك أن تكون رشيقاً في كل شيء.. في الحب، ومستجيباً بسرعة لضغوط السياسة الخانقة، وشروط العلاقة العاطفية المعلّبة، والأمان في العمل، والسلامة في الغذاء والشراب، ومعاناة الوصول إلى النوم والاستيقاظ منه.
كبسة «إس إم إس» جاهزة للقيام بالواجب تماماً، و«دردشة» عبر جهاز صغير عابر للقارات، كفيلة بإيصال رسالتك بسرعة فائقة.. فلا انتظار لساعي البريد الآتي إليك على دراجته الهوائية، ولا عناء في تفقد علبة بريدية عند زاوية الشارع المقابل، ولم يعد وصول «المكتوب» من حبيب أو قريب بعيد، يوازي عرساً.
عوالم متنوعة، إلا أنها تمارس المهمة ذاتها، لكأننا حيال مشهد آخر يتماهى مع العيش على الأرض، وبعض الكواكب الأخرى التي تشبهها في عناصر الحياة.
حيال هذا العالم الافتراضي، كما لو أننا أمام «بينغ بونغ» إلكتروني يصنع حياة أخرى، لكنه لا يداني الانفجار العظيم في ضخامته.
منطقة للعيش في مساحة محدودة، داخل حاسوب آلي يتنقل به المرء، حيثما شاء، ويتاح له من خلال تلك الحياة، أن يحب ويتعرف إلى ثقافات الآخرين وعاداتهم وتقاليدهم، ويستمتع بالموسيقى والأغنية، مثلما يمكنه أن يكره ويمارس السياسة والعنف، ويرتكب الجرائم.
في الحياة الأصل، ثمة بداية، لها نهايتها المحتومة، التي لا نعلمها. أما في الحياة الافتراضية، فإن بشراً يشبهوننا هم من صنعوها، وبات المقيمون فيها يتجاوزون المليار شخص، من الأحياء، وإلى جانبهم صُنعت حيوات أخرى لأموات منذ مئات السنين.
ومن البديهي، أن مآل الحياة في عوالم افتراضية، رهن بإرادة الأيدي البشرية التي صنعتها، وهي خاضعة لرياح السوق، ولأمزجة السياسة، وصولاً إلى قوانين الحكومات، وحتى البلديات..
وتالياً، ربما «شحطة» قلم حبر ناشف، تزيل المليار المذكور سالفاً من الوجود، وربما في لحظة، تختفي معه قصص وسِير ومشاعر وصور ومواعيد، تذهب في النسيان، ويسود حزن من نوع آخر.