ساهمت ثورة الاتصال وتكنولوجيا المعلومات التي باتت سمة من سمات هذا العصر، في خلق فضاء جديد في وطننا العربي لم تعرفه بلداننا من قبل ولم تتعاط حدوده مسبقاً، فهو بمعايير الانفتاح الإعلامي، إيجابياً كان أم سلبياً، أكبر من تلك الحدود وأشد تأثيراً.
أصبح المتلقي وبلمسة زر من مؤشره السحري الصغير، ودون أن يحرك ساكناً، يجول في زوايا هذا العالم المترامي، شرقه وغربه، شماله وجنوبه، يرى ويسمع ويتأثر، ويتنقل بين موقع الكتروني وآخر، وفضائية وأخرى من طوفان تلك الفضائيات الموجهة والمثيرة للجدل، التي انتشرت بصورة جنونية ناقلة الغث والسمين.
ونحن أمام ذلك الدفق الإعلامي الجارف نقف مكتوفي اليدين، خاصة وأننا نواجه أنموذجين من عوالم تلك الفضائيات التي باتت تسكن بيوتنا عنوة، الأول يتمثل في فضائيات السحر والشعوذة واللهو والغناء والإباحية، وهو أنموذج يدغدغ المشاعر ويلهب العواطف، يغلب الذهنية التجارية الربحية على كل شيء، ورسالته خاوية لا تحمل مضامين وضوابط ومبادئ تحكم العمل الإعلامي، وغالباً ما يكون تبرير أصحابه «الجمهور عايز كده»، وهذا هو مربط الفرس.
أما الأنموذج الثاني فقد بدا مؤخراً واضحاً وجلياً، من قبل بعض الفضائيات والمواقع الالكترونية التي لم تلتزم برسالة الإعلام الشريفة، فاخترقت مواثيق الشرف الإعلامي، وكشفت عن وجهها وانتماءاتها، وأحدثت شرخاً في جدار المجتمع الواحد، وبثت أمراضها، وغلبت لغة سمجة لم نعرفها من قبل، على لغة العقل، والحكمة، والتواصل الاجتماعي الحقيقي، الذي تنادي به وتؤكده شعاراً لها!
الإعلام الفضائي العربي اليوم ما زال تابعاً ويعاني من أزمات مركبة، لعل أولها يتمثل في أن القنوات العربية أصبحت تدور في فلك الآلة الإعلامية العالمية، تروّج لأفكار الأقوى اقتصادياً وسياسياً، وهذا يدل على أزمة هوية وغياب استراتيجية إعلامية واضحة، فأزمة الهوية تأتي نتيجة للدفق الإعلامي الكبير تجاه المحلي، مما ينتج عنه عدم توافق أو توازن، فينهزم المحلي أمام العالمي، وبالتالي يذوب فيه ليصبح هو القدوة والمثل.
نتمنى أن تتنبه فضائياتنا لتلك التحديات التي تواجهنا جميعاً، فنحن قادرون على تعزيز قيمنا، وحضارتنا، وتقاليدنا العربية والإسلامية، لأن التبعية لا تنتج فناً، ولا فكراً ولا حضارة، ولا تبني أمماً.