أضفت الفعاليات الثقافية المختلفة التي زينت أرجاء مهرجان طيران الإمارات للآداب، والتي انطلقت في دبي، بعداً فريداً لمعنى الثقافة الجماهيرية مدفوعة الثمن.

في المهرجان الذي امتدت فعالياته وبرامجه المنوعة لقرابة خمسة أيام، لم نجد فعالية جاءت هكذا اعتباطاً، فكل فقرة من فقرات البرنامج لها حاجتها وأهميتها وظرفها ووقتها، وكل ضيف له اعتباراته الفنية والإبداعية، بما يحمله من قيمة وبما سيضيفه للمتلقي الذي حضر بإرادته خصيصاً لكي يرى ويسمع ويستمتع، وهو يعلم أنه سيدفع مقابل ذلك ثمناً، وكأن المنظمين يصنعون لوحة فسيفسائية بإتقان تام، ويحددون أبعاد عرضها على الجمهور.

تعودنا محلياً وعربياً، أن مهرجاناتنا الأدبية غالباً ما تكون احتفالية تتفاعل وتنهض بحضور راعي المهرجان، وتخبو بمجرد مغادرته المكان، لتذهب في سبات عميق، حيث يتناقص الحضور بشكل لافت، وتصبح الأمسيات لا لون ولا طعم لها في عدم وجود الجمهور الذي هو ملح الأمسيات الثقافية.

تعودنا كذلك في مهرجاناتنا العربية، على رؤية هالات التكبر والتباهي المصطنع وهي تتغلغل في نفوس كبار مبدعينا العرب وتحيطهم بنرجسية مقيتة، ولكن ما رأيناه في هذا المهرجان الإبداعي الذي صنع بامتياز، هو الاحترام المثير من قبل المنظمين لأدوات النجاح المختلفة، فهم لم يستثنوا أحداً، فكل المشاركين من المبدعين والأدباء عرب وأجانب، لهم التقدير على حد سواء.

الجميل والرائع في هذا المهرجان أنه كان ورشة عمل حقيقية للتعلم والاحتكاك واكتساب الجديد من العلوم والمعارف والثقافات الأخرى، المرتبطة بتعاطي الإنسان مع محيطه وكيفية رؤيته للآخر، فهو لم يكن احتفالياً، بل صاحبته ورش عمل تنضح بالخبرات العلمية والعملية، جميعها كان لديها ما تقوله وما تضيفه إلى المعرفة والإدراك الإنساني.

المثير أن أغلب الأدباء والشعراء الأجانب والعرب، تمحورت مواضيعهم ونصوصهم الأدبية نحو قيم إنسانية خالصة، لم تستثنِ ما يحدث الآن في محيطنا العربي من ثورات شعبية، رغم أنها كتبت قبل سنوات خلت، وكأن حاسة الشعر تخبرهم بما يحدث الآن قبل حدوثه وتتنبأ بما سيحدث لاحقاً، وكأن الشاعر بما يملكه من ملكة استشرافية أصبح بوصلة السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. كيف لا وهو في الأصل بوصلة الإنسان البسيط وقلبه ودليله وصوته!!