كثيرة هي الأمراض التي تكتنف مجتمعاتنا العربية، ولعل أهمها وأخطرها ما يتعلق بالإدارة وتحولاتها واتجاهاتها، فالإدارة في كثير من البلدان العربية، ما زالت تراوح مكانها، وتتعامل مع فكر بالٍ، الأمر الذي جعل العلل تتزايد بشكل كبير أفضى إلى عدم قدرة النظام الإداري ككل، على التجاوب مع المتغيرات الجديدة في عالم متسارع لا يقف عند حدود بعينها..
ورغم استثناء بعض الدول التي سارعت إلى تحديث منهجيات الإدارة فيها واستطاعت مواكبة التطورات والحداثة الإدارية على كافة مستوياتها، ومنها الإمارات التي أصبحت أنموذجاً يحتذى في هذا المجال، إلا أن مشاكل الإدارة العربية ما زالت مستمرة..
الواقع العملي يقول إن معظم البلدان العربية لم تشهد محاولات حقيقية لتحسين الإدارة بمفهومها الكلي، فأنشأت الهيئات والوزارات والمؤسسات في غياب مخطط هيكلي واضح وصلاحيات محددة، وفي ظل عدم وضوح أنظمة المحاسبة والشفافية، مما أوصل الحال إلى ما نراه اليوم.. فقد أوجد غياب الرقابة تفشي أمراض أخذت تنخر في جسد الإدارة، ومنها المحسوبية والواسطة وغيرها من أمراض العصر التي تكبر وتتعملق في سبات الأنظمة الإدارية..
مشكلتنا أننا لا نعير مثل هذه الأمور اهتماما في بادئ الأمر، لكننا نعض أصابعنا ندماً كلما مر الوقت وأصبحت واقعاً معاشاً..
الأغلبية في ظل الواقع الذي نعيش مفارقاته، أخذت تطبق المبدأ الخاطئ والمرفوض لميكافيللي، والقائل إن «الغاية تبرر الوسيلة»، بحيث تبدلت المعاني وانقلبت الموازين وأصبحت مقولة «الصدق منجاة» مقولة قديمة لا تتماشى مع قيم المجتمع الحالي ولا تساير مفاهيمه..
إن التعامل البشري يعتمد على العملية الاتصالية التي تتشكل عن طريق الأفراد بكل طبقاتهم وأفكارهم، ولأنها كذلك فيجب أن تكون تلك العملية صحيحة لا يشوبها أي تشويش، إذ كيف نتصور مجتمعاً ـ كما قال أحد المحللين ـ يضع يده على كم هائل من المعلومات غير الصحيحة! بالتأكيد ستسوده الفوضى والاضطراب، وبالتالي ستكون القرارات التي تتخذ خاطئة..
هذا ما يحدث الآن في أغلب إداراتنا العربية التي تمارس الكذب عنوة، فالمديرون والوزراء والمتنفذون يقبضون على كم هائل من المعلومات الحقيقية التي تحاكي الواقع، لكنهم يخافون أن يتعاملوا بها، فهم يعتقدون أن في نشر تلك المعلومات والحقائق انتقاصا منهم، وهم متعودون على مقولة الأفضل والأحسن..
أيها السادة؛ نصف حل أي مشكلة هو الاعتراف بها، فلماذا تكابرون؟